جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : الله الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، فقوله هو كناية من اسم الله، والأميون : هم العرب. وقد بيّنا فيما مضى المعنى الذي من أجله قيل للأميّ أميّ. وبنحو الذي قلنا في الأميين في هذا الموضع قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال : هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ قال : العرب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت سفيان الثوريّ يحدّث لا أعلمه إلا عن مجاهد أنه قال : هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ : العرب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ قال كان هذا الحيّ من العرب أمة أمية، ليس فيها كتاب يقرؤونه، فبعث الله نبيه محمد ﷺ رحمة وهُدى يهديهم به.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ قال : كانت هذه الأمة امّيّة لا يقرؤون كتابا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ قال : إنما سميت أمة محمد ﷺ الأميين، لأنه لم ينزّل عليهم كتابا.
وقال جلّ ثناؤه رَسُولاً مِنْهُمْ يعني من الأميين وإنما قال منهم، لأن محمدا ﷺ كان أمّيّا، وظهر من العرب.
وقوله : يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقول جلّ ثناؤه : يقرأ على هؤلاء الأميين آيات الله التي أنزلها عليه وَيُزَكّيهِمْ يقول : ويطهرهم من دنس الكفر.
وقوله : وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ يقول : ويعلمهم كتاب الله، وما فيه من أمر الله ونهيه، وشرائع دينه وَالْحكْمَةَ يعني بالحكمة : السنن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي السنة.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قال : وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أيضا كما علم هؤلاء يزكيهم بالكتاب والأعمال الصالحة، ويعلمهم الكتاب والحكمة كما صنع بالأوّلين، وقرأ قول الله عزّ وجلّ : والسّابقُونَ الأوّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ ممن بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة، قال : وقد جعل الله فيهم سابقين، وقرأ قول الله عزّ وجلّ : والسّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرّبُونَ، وقال : ثُلّةٌ مِنَ الأوّلِين وَقَلِيلٌ مِنَ الآخرين فثلة من الأوّلين سابقون، وقليل السابقون من الاَخرين، وقرأ : وأصحَابُ اليَمِينِ ما أصحَابُ اليَمِينِ. . . حتى بلغ ثُلّةٌ مِنَ الأوّلِينَ، وَثُلّةٌ مِنَ الاَخرِينَ أيضا، قال : والسابقون من الأوّلين أكثروهم من الاَخرين قليل، وقرأ وَالّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَانِ. . . الآية، قال : هؤلاء من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة.
وقوله : وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : وقد كان هؤلاء الأميون من قبل أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم في جَوْر عن قصد السبيل، وأخذ على غير هدى مُبِين يقول : يبين لمن تأمله أنه ضلال وجَوْر عن الحقّ وطريق الرشد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى