اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.
تقدم الكلام في «الأميّ والأميين » جمعه.
و «يَتْلُو » وما بعده صفة ل «رسول » صلى الله عليه وسلم(١).
قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - :«الأميّون » العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب ؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب(٢).
وقيل : الأميّون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش(٣).
وروى منصور عن إبراهيم قال :«الأمّي » الذي لا يقرأ ولا يكتب.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - الأميون الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم(٤)، وقيل : الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه.
وقرئ(٥) :«الأمين » بحذف ياء النَّسب.
قوله :﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾.
يعني محمداً ﷺ وما من حيّ من العرب إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة وقد ولدوه(٦).
وقال ابن إسحاق : إلا بني تغلب، فإن الله طهَّر نبيه ﷺ منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أميًّا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلّم ﷺ.
قال الماورديُّ(٧) : فإن قيل : فما وجه الامتنان بأن بعث اللَّهُ نبيًّا أميًّا ؟.
فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : لموافقته ما تقدم من بشارة الأنبياء.
الثاني : لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب لموافقتهم.
الثالث : لينفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها.
قال القرطبي(٨) :«وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته ».
قوله :﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن «ويُزكِّيهم » أي : يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. قاله ابن عباس(٩).
وقيل : يطهرهم من دنس الكفر والذنوب. قاله ابن جريج ومقاتل(١٠).
وقال السديُّ : يأخذ زكاة أموالهم، «ويُعَلِّمُهُم الكِتابَ » يعني : القرآن(١١)، «والحكمة » يعني السُّنة. قاله الحسن(١٢).
وقال ابن عباس :«الكتاب » الخط بالقلم، لأن الخط إنما نشأ في العرب بالشَّرع لما أمروا بتقييده بالخط(١٣).
وقال مالك بن أنسٍ :«الحكمة » الفقه في الدين.
وقد تقدم في البقرة.
﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي : من قبله وقبل أن يُرسل إليهم ﴿لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي : في ذهاب عن الحق(١٤).

فصل في الرد على بعض الشبه


قال ابن الخطيب(١٥) : احتج أهل الكتاب بهذه الآية، فقالوا : قوله تعالى :﴿بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصَّة، قال : وهذا ضعيف، فإنه [ لا ](١٦) يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى قوله تعالى :﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾[العنكبوت: ٤٨] أنه لا يفهم منه أنه لا يخطه بشماله، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة، كان قوله تعالى ﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾[سبأ: ٢٨] لا يناسب ذلك، وقد اتفقوا على صدق الرسالة المخصوصة فيكون قوله :﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ دليلاً على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان رسولاً إلى الكل.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٥..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٦٠)، عن ابن عباس وكذا الرازي (٣٠/٤)..
٣ ينظر القرطبي (١٨/٦٠)..
٤ ينظر القرطبي في "تفسيره"(١٨/٦٠) عن ابن عباس وكذا الرازي (٣٠/٤)..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٩، والرازي ٣٠/٤..
٦ ينظر: القرطبي ١٨/٦٠..
٧ ينظر: النكت والعيون ٦/..
٨ القرطبي ١٨/٦١..
٩ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٦) والقرطبي (١٨/٦١) عن ابن عباس..
١٠ ينظر المصدر السابق..
١١ ينظر المصدر السابق..
١٢ ينظر المصدر السابق..
١٣ ينظر المصدر السابق..
١٤ ينظر القرطبي ١٨/٦١..
١٥ ينظر: التفسير الكبير ٣٠/٤..
١٦ سقط من أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى