زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قال الفراء : لم يقل : آتتا، لأن ﴿كلتا﴾ ثنتان لا تفرد واحدتهما، وأصله :" كل "، كما تقول للثلاثة :" كل "، فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، وجاز توحيده على مذهب " كل "، وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في ﴿كلتا﴾، وكذلك فافعل ب " كلا " و " كلتا " و " كل "، إذا أضفتهن إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن فوحد واجمع، فمن التوحيد قوله تعالى :﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٦]، ومن الجمع :﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، والعرب قد تفعل ذلك في " أي " فيؤنثون ويذكرون، قال الله تعالى :﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] ويجوز في الكلام " بأيت أرض "، وكذلك ﴿في أي صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، ويجوز في الكلام " في أيت "، قال الشاعر :
بأي بلاء أم بأية نعمةتقدم قبلي مسلم والمهلب
قال ابن الأنباري :﴿كلتا﴾ وإن كان واقعاً في المعنى على اثنتين، فإن لفظه لفظ واحدة مؤنثة، فغلب اللفظ، ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به ؛ ومن العرب من يؤثر المعنى على اللفظ، فيقول :" كلتا الجنتين آتتا أكلها "، ويقول آخرون :" كلتا الجنتين آتى أكله "، لأن " كلتا " تفيد معنى " كل "، قال الشاعر :
وكلتاهما قد خط لي في صحيفتيفلا الموت أهواه ولا العيش أروح
يعني : وكلهما قد خط لي، وقد قالت العرب : كلكم ذاهب، وكلكم ذاهبون. فوحدوا للفظ " كل " وجمعوا لتأويلها. وقال الزجاج : لم يقل " آتتا "، لأن لفظ ﴿كلتا﴾ لفظ واحدة، والمعنى : كل واحدة منهما آتت أكلها ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ أي : لم تنقص ﴿مّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَراً﴾ فأعلمنا أن شربهما كان من ماء نهر، وهو من أغزر الشرب. وقال الفراء : إنما قال :" فجرنا " بالتشديد، وهو نهر واحد، لأن النهر يمتد، فكان التفجر فيه كله. قرأ أبو رزين. وأبو مجلز، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة :" وفجرنا " بالتخفيف. وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل :" خللهما ". وقرأ أبو العالية، وأبو عمران :" نهرا " ً بسكون الهاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى