زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ﴾ قال المفسرون : يعني : أهل مكة ﴿إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى﴾ وهو : محمد ﷺ، والقرآن، والإسلام ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين﴾ وهو : أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا.
وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال :
أحدها : ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، قاله الزجاج.
والثاني : وما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين، أي : منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم، ذكره ابن الأنباري.
والثالث : ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب. وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين، قاله الواحدي.
قوله تعالى :﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ذكر ابن الأنباري في " أو " هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها بمعنى الواو.
والثاني : أنها لوقوع أحد الشيئين، إذ لا فائدة في بيانه.
والثالث أنها دخلت للتبعيض، أي : أن بعضهم يقع به هذا، وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز وجل :﴿أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٩].
قوله تعالى :﴿قُبُلاً﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر :" قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي :" قبلا " بضم القاف والباء. وقد بينا علة القراءتين في سورة الأنعام :[ ١١١ ]. وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود :" قبيلا " بوزن فعيل. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو المتوكل " قبلا " بفتح القاف من غير ياء، قال ابن قتيبة : أراد استئنافا.
فإن قيل : إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار بقوله :﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ؟
فالجواب : أن سنة الأولين أفادت عذاباً مبهما يمكن أن يتراخى وقته وتختلف أنواعه، وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر. قال مقاتل :﴿سنة الأولين﴾ : عذاب الأمم السالفة ؛ " أو يأتيهم العذاب قبلا "، أي : عيانا قتلا بالسيف يوم بدر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى