اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، قرأ الحسن وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني(١) :«أنْطَيْنَاكَ » بالنون. قال الرازي، والتبريزي : أبدل من العين نوناً.
فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلَّم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل : أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ولا شكَّ أنها لغة ثابتة.
قال التبريزي : هي لغة العربِ العاربةِ من أولى قريش.
وفي الحديث :«اليَدُ العُلْيَا المُنطِيةُ، واليَدُ السُّفلَى المُنطَاةُ »(٢).
وقال الشاعر وهو الأعشى :[ المتقارب ]
قال القرطبي(٤) :«وروته أم سلمة عن النبي ﷺ قراءة، وهي لغة في العطاء : أنطيته : أعطيته ».
والكوثر :«فَوْعَل »، من الكثرةِ، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل النوفل من النَّفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيءٍ كثيراً في العدد، والقدر، والخطر : كوثراً ؛ قال :[ الطويل ]
قيل لعجوز رجع ابنها من السَّفر : بم آب ابنك ؟ قالت : آب بكوثر، أي : بمال كثير.
والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر ؛ وقال الشاعر :
٥٣٢٦- *** وقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حتَّى تَكْوثَرَا(٦) ***
اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ، فقيل : نهر في الجنة، رواه البخاري وغيره(٧).
وروى الترمذي عن ابن عمران قال : قال رسول الله ﷺ :«الكَوْثَرُ : نهرٌ فِي الجنَّةِ، حَافتَاهُ مِنْ ذهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرّ والياقوت، تُربتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحْلَى مِنَ العَسلِ، وأبْيَضُ مِنَ الثّلْجِ »(٨).
وقال عطاء : هو حوض النبي ﷺ (٩) في الموقف، وفيه أحاديث كثيرة.
وقال عكرمة : الكوثر : النبوة، والكتاب(١٠).
وقال الحسن : هوالقرآن(١١).
وقال ابن المغيرة : الإسلام.
وقال ابن كيسان : هو الإيثار.
وقال الحسن بن الفضل : هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع.
وقال أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب : هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة.
وحكى الماورديُّ : أنه رفعة الذكر.
وقيل :[ الشفاعة.
وقال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل : الصلوات الخمس.
وقيل الفقه في الدين.
وقيل غير ذلك ](١٢).
قال القرطبيُّ(١٣) : وأصح الأقوال : الأول، والثاني ؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ نصًّا في الكوثر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فصل في الكلام على هذه السورة
قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.
قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.
فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلَّم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل : أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ولا شكَّ أنها لغة ثابتة.
قال التبريزي : هي لغة العربِ العاربةِ من أولى قريش.
وفي الحديث :«اليَدُ العُلْيَا المُنطِيةُ، واليَدُ السُّفلَى المُنطَاةُ »(٢).
وقال الشاعر وهو الأعشى :[ المتقارب ]
| ٥٣٢٤- جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلوكِ | تُصَانُ الجِلالَ وتُنْطَى الحُلُولاَ(٣) |
والكوثر :«فَوْعَل »، من الكثرةِ، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل النوفل من النَّفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيءٍ كثيراً في العدد، والقدر، والخطر : كوثراً ؛ قال :[ الطويل ]
| ٥٣٢٥- وأنْتَ كَثيرٌ يَا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ | وكَانَ أبُوكَ ابْنَ العقَائِلِ كَوثَرا(٥) |
والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر ؛ وقال الشاعر :
٥٣٢٦- *** وقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حتَّى تَكْوثَرَا(٦) ***
فصل في المراد بالكوثر
اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ، فقيل : نهر في الجنة، رواه البخاري وغيره(٧).
وروى الترمذي عن ابن عمران قال : قال رسول الله ﷺ :«الكَوْثَرُ : نهرٌ فِي الجنَّةِ، حَافتَاهُ مِنْ ذهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرّ والياقوت، تُربتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحْلَى مِنَ العَسلِ، وأبْيَضُ مِنَ الثّلْجِ »(٨).
وقال عطاء : هو حوض النبي ﷺ (٩) في الموقف، وفيه أحاديث كثيرة.
وقال عكرمة : الكوثر : النبوة، والكتاب(١٠).
وقال الحسن : هوالقرآن(١١).
وقال ابن المغيرة : الإسلام.
وقال ابن كيسان : هو الإيثار.
وقال الحسن بن الفضل : هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع.
وقال أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب : هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة.
وحكى الماورديُّ : أنه رفعة الذكر.
وقيل :[ الشفاعة.
وقال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل : الصلوات الخمس.
وقيل الفقه في الدين.
وقيل غير ذلك ](١٢).
قال القرطبيُّ(١٣) : وأصح الأقوال : الأول، والثاني ؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ نصًّا في الكوثر.
قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٢٩، والبحر المحيط ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٢ ينظر جامع المسانيد (٢/٥٩٨)..
٣ ينظر الديوان ص ٨٨، واللسان (جلل)، والبحر ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٤ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٧..
٥ قائله هو الكميث، ينظر ديوانه ١/٢٧٩، والكشاف ٤/٨٠٦، واللسان (كثر)، والقرطبي ٢٠/١٤٧.
والبحر ٨/٥٢١، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٦ عجز بيت وصدره:
*** أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ***
ينظر ديوان الحماسة للتبرزي ١/١٢٥، والقرطبي ٢٠/١٤٧..
٧ أخرجه البخاري (٨/٦٠٣)، كتاب: التفسير، باب: إنا أعطيناك الكوثر حديث (٤٩٦٥)، من حديث عائشة..
٨ أخرجه الترمذي (٣٣٥٨)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، وأحمد (٢/١١٢)، من حديث ابن عمر..
٩ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٥٤)، والقرطبي (٢٠/١٤٨)..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧١٨)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وزاد نسبته إلى هناد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن..
١٢ سقط من : ب..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٨..
٢ ينظر جامع المسانيد (٢/٥٩٨)..
٣ ينظر الديوان ص ٨٨، واللسان (جلل)، والبحر ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٤ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٧..
٥ قائله هو الكميث، ينظر ديوانه ١/٢٧٩، والكشاف ٤/٨٠٦، واللسان (كثر)، والقرطبي ٢٠/١٤٧.
والبحر ٨/٥٢١، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٦ عجز بيت وصدره:
*** أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ***
ينظر ديوان الحماسة للتبرزي ١/١٢٥، والقرطبي ٢٠/١٤٧..
٧ أخرجه البخاري (٨/٦٠٣)، كتاب: التفسير، باب: إنا أعطيناك الكوثر حديث (٤٩٦٥)، من حديث عائشة..
٨ أخرجه الترمذي (٣٣٥٨)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، وأحمد (٢/١١٢)، من حديث ابن عمر..
٩ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٥٤)، والقرطبي (٢٠/١٤٨)..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧١٨)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وزاد نسبته إلى هناد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن..
١٢ سقط من : ب..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٨..
فصل في الكلام على هذه السورة
قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.