اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، قرأ الحسن وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني(١) :«أنْطَيْنَاكَ » بالنون. قال الرازي، والتبريزي : أبدل من العين نوناً.
فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلَّم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل : أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ولا شكَّ أنها لغة ثابتة.
قال التبريزي : هي لغة العربِ العاربةِ من أولى قريش.
وفي الحديث :«اليَدُ العُلْيَا المُنطِيةُ، واليَدُ السُّفلَى المُنطَاةُ »(٢).
وقال الشاعر وهو الأعشى :[ المتقارب ]
٥٣٢٤- جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلوكِتُصَانُ الجِلالَ وتُنْطَى الحُلُولاَ(٣)
قال القرطبي(٤) :«وروته أم سلمة عن النبي ﷺ قراءة، وهي لغة في العطاء : أنطيته : أعطيته ».
والكوثر :«فَوْعَل »، من الكثرةِ، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل النوفل من النَّفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيءٍ كثيراً في العدد، والقدر، والخطر : كوثراً ؛ قال :[ الطويل ]
٥٣٢٥- وأنْتَ كَثيرٌ يَا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌوكَانَ أبُوكَ ابْنَ العقَائِلِ كَوثَرا(٥)
قيل لعجوز رجع ابنها من السَّفر : بم آب ابنك ؟ قالت : آب بكوثر، أي : بمال كثير.
والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر ؛ وقال الشاعر :
٥٣٢٦- *** وقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حتَّى تَكْوثَرَا(٦) ***

فصل في المراد بالكوثر


اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ، فقيل : نهر في الجنة، رواه البخاري وغيره(٧).
وروى الترمذي عن ابن عمران قال : قال رسول الله ﷺ :«الكَوْثَرُ : نهرٌ فِي الجنَّةِ، حَافتَاهُ مِنْ ذهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرّ والياقوت، تُربتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحْلَى مِنَ العَسلِ، وأبْيَضُ مِنَ الثّلْجِ »(٨).
وقال عطاء : هو حوض النبي ﷺ (٩) في الموقف، وفيه أحاديث كثيرة.
وقال عكرمة : الكوثر : النبوة، والكتاب(١٠).
وقال الحسن : هوالقرآن(١١).
وقال ابن المغيرة : الإسلام.
وقال ابن كيسان : هو الإيثار.
وقال الحسن بن الفضل : هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع.
وقال أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب : هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة.
وحكى الماورديُّ : أنه رفعة الذكر.
وقيل :[ الشفاعة.
وقال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل : الصلوات الخمس.
وقيل الفقه في الدين.
وقيل غير ذلك ](١٢).
قال القرطبيُّ(١٣) : وأصح الأقوال : الأول، والثاني ؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ نصًّا في الكوثر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل في الكلام على هذه السورة
قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.


١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٢٩، والبحر المحيط ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٢ ينظر جامع المسانيد (٢/٥٩٨)..
٣ ينظر الديوان ص ٨٨، واللسان (جلل)، والبحر ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٧..
٤ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٧..
٥ قائله هو الكميث، ينظر ديوانه ١/٢٧٩، والكشاف ٤/٨٠٦، واللسان (كثر)، والقرطبي ٢٠/١٤٧.
والبحر ٨/٥٢١، والدر المصون ٦/٥٧٧..

٦ عجز بيت وصدره:
*** أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ***
ينظر ديوان الحماسة للتبرزي ١/١٢٥، والقرطبي ٢٠/١٤٧..

٧ أخرجه البخاري (٨/٦٠٣)، كتاب: التفسير، باب: إنا أعطيناك الكوثر حديث (٤٩٦٥)، من حديث عائشة..
٨ أخرجه الترمذي (٣٣٥٨)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، وأحمد (٢/١١٢)، من حديث ابن عمر..
٩ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٥٤)، والقرطبي (٢٠/١٤٨)..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧١٨)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وزاد نسبته إلى هناد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن..
١٢ سقط من : ب..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤٨..

فصل في الكلام على هذه السورة


قال ابنُ الخطيب(١٤) : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل :﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾، وفي مقابلة ترك الصلاة : قوله :«فَصلِّ» أي : دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى :﴿لِرَبِّكَ﴾ أي : لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله :«وانْحَرْ»، أي : تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾، أي : أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى