غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القرآات ﴿شانيك﴾ بالياء : يزيد والشموني وحمزة في الوقف. وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.
التفسير : هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ؛ لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم ؛ بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي ﷺ ؛ بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً. هذا وجه إجمالي، وأما الوجه التفصيلي فقوله :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أي الخير الكثير، وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام.
وقوله ﴿فصل﴾ أي دم على الصلاة، وقع بإزاء قوله ﴿عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٥] وقوله ﴿لربك﴾ مكان قوله ﴿يراءون﴾ [الماعون: ٦] وقوله ﴿وانحر﴾ والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧].
ثم ختم السورة بقوله ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب، ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء، والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء.
ثم في الآية أصناف من المبالغة منها : التصدير ب " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء، ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء، ولهذا حين قال ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾
[الحجر: ٧] كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها. ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله تعالى كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر، وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول، فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثر المفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة. عن أنس عن النبي ﷺ :" رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت : ما هذا ؟ فقيل : هو الكوثر الذي أعطاك الله "، وفي رواية :" ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت، من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان ". قال أهل المعنى : ولعله إنما سمى كوثراً ؛ لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لأن أنهار الجنة تتفجر منه، كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار، أو لكثرة شاربيه. وقد يقال : إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار، فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار.
والقول الثالث : إن الكوثر أولاده ؛ لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء، والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم، منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم.
القول الرابع : الكوثر علماء أمته ؛ لأنهم كأنبياء بني إسرائيل، واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول، فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة، وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب.
الخامس : الكوثر النبوة، ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير ؛ لأنها ثانية رتبة الربوبية، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة ؛ لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء، والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين، ولن يصير شرعه منسوخاً، وله كل معجزة كانت لغيره من الأنبياء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ [البقرة: ٣٧]، وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات﴾ [البقرة: ١٢٤]، و ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكتاب محمد ﷺ مهيمن على الكل كما قال ﴿ومهيمنا عليه﴾ [المائدة: ٤٨]، وإن آدم عليه السلام تحدى بالكلمات والأسماء ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ [البقرة: ٣١]، ومحمد ﷺ إنما تحدى بالمنظوم ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية. وأما نوح عليه السلام فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد ﷺ وقف الحجر على الماء. وروي أنه ﷺ كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال : إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول ﷺ إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ، وشهد له بالرسالة. فقال له النبي ﷺ : يكفيك هذا ؟ قال : حتى يرجع إلى مكانه. فأمره النبي ﷺ فرجع إلى مكانه. وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه. وروى محمد بن حاطب قال : كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي، فاحترق جلدي كله، فحملتني أمي إلى النبي ﷺ وقالت : هذا ابن حاطب احترق كما ترى، فتفل رسول الله ﷺ على جلدي، ومسح بيده على المحترق منه، وقال ﷺ : أذهب البأس رب الناس. فصرت صحيحاً لا بأس بي. وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض، وأكرم محمداًً ﷺ ففلق له القمر فوق السماء. وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد ﷺ أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً ﷺ بذلك قبل ظهور نبوته. وأكرم موسى عليه السلام باليد البيضاء، وأكرم محمداً ﷺ بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان. وقلب الله عصى موسى ثعباناً، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً. وسبحت الجبال مع داود عليه السلام، وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه. وكان داود عليه السلام إذا مسح الحديد لان، وكان النبي ﷺ حين مسح الشاة الجدباء درت. وأكرم داود بالطير المحشورة، ومحمداً ﷺ بالبراق. وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأكرمه ﷺ بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة. وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول ﷺ فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله ﷺ فردها إلى مكانها. وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس، والرسول ﷺ عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك. ورد الشمس لسليمان مرة، والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي عليه السلام فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله ﷺ، وردها مرة أخرى لعلي عليه السلام فصلى العصر لوقته. وعلم سليمان منطق الطير، وفعل ذلك في حق محمد ﷺ، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال : أيكم فجع هذه بولدها ؟ فقال رجل : أنا فقال : اردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور. وأكرم سليمان بمسير غدو شهر، وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له ﷺ يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به، وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال : إني رسول رسول الله ﷺ فتبصبص. وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد ﷺ. وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت : كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه. وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل. ومعجزاته ﷺ أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام، فثبت صحة قوله ﴿إنّا أعطيناك الكوثر﴾ قيل : هو القرآن ؛ لأن فوائده عديدة الحصي. وقيل : الإسلام، أو الشفاعة، أو رفع الذكر، أو العلم ﴿وعلمت ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]، أو الخلق الحسن ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾
[القلم: ٤]، وقد يقال : إن هذه السورة مع قصرها معجزة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب، وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد، وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها، فإنها أقصر سورة من القرآن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الوقوف ﴿الكوثر﴾ ه ط ﴿وانحر﴾ ه ط ﴿الأبتر﴾ ه.
القرآات ﴿شانيك﴾ بالياء : يزيد والشموني وحمزة في الوقف. وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.
التفسير : هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ؛ لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم ؛ بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي ﷺ ؛ بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً. هذا وجه إجمالي، وأما الوجه التفصيلي فقوله :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أي الخير الكثير، وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام.
وقوله ﴿فصل﴾ أي دم على الصلاة، وقع بإزاء قوله ﴿عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٥] وقوله ﴿لربك﴾ مكان قوله ﴿يراءون﴾ [الماعون: ٦] وقوله ﴿وانحر﴾ والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧].
ثم ختم السورة بقوله ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب، ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء، والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء.
ثم في الآية أصناف من المبالغة منها : التصدير ب " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء، ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء، ولهذا حين قال ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾
[الحجر: ٧] كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها. ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله تعالى كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر، وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول، فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثر المفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة. عن أنس عن النبي ﷺ :" رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت : ما هذا ؟ فقيل : هو الكوثر الذي أعطاك الله "، وفي رواية :" ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت، من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان ". قال أهل المعنى : ولعله إنما سمى كوثراً ؛ لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لأن أنهار الجنة تتفجر منه، كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار، أو لكثرة شاربيه. وقد يقال : إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار، فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار.
والقول الثالث : إن الكوثر أولاده ؛ لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء، والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم، منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم.
القول الرابع : الكوثر علماء أمته ؛ لأنهم كأنبياء بني إسرائيل، واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول، فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة، وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب.
الخامس : الكوثر النبوة، ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير ؛ لأنها ثانية رتبة الربوبية، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة ؛ لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء، والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين، ولن يصير شرعه منسوخاً، وله كل معجزة كانت لغيره من الأنبياء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ [البقرة: ٣٧]، وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات﴾ [البقرة: ١٢٤]، و ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكتاب محمد ﷺ مهيمن على الكل كما قال ﴿ومهيمنا عليه﴾ [المائدة: ٤٨]، وإن آدم عليه السلام تحدى بالكلمات والأسماء ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ [البقرة: ٣١]، ومحمد ﷺ إنما تحدى بالمنظوم ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية. وأما نوح عليه السلام فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد ﷺ وقف الحجر على الماء. وروي أنه ﷺ كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال : إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول ﷺ إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ، وشهد له بالرسالة. فقال له النبي ﷺ : يكفيك هذا ؟ قال : حتى يرجع إلى مكانه. فأمره النبي ﷺ فرجع إلى مكانه. وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه. وروى محمد بن حاطب قال : كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي، فاحترق جلدي كله، فحملتني أمي إلى النبي ﷺ وقالت : هذا ابن حاطب احترق كما ترى، فتفل رسول الله ﷺ على جلدي، ومسح بيده على المحترق منه، وقال ﷺ : أذهب البأس رب الناس. فصرت صحيحاً لا بأس بي. وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض، وأكرم محمداًً ﷺ ففلق له القمر فوق السماء. وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد ﷺ أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً ﷺ بذلك قبل ظهور نبوته. وأكرم موسى عليه السلام باليد البيضاء، وأكرم محمداً ﷺ بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان. وقلب الله عصى موسى ثعباناً، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً. وسبحت الجبال مع داود عليه السلام، وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه. وكان داود عليه السلام إذا مسح الحديد لان، وكان النبي ﷺ حين مسح الشاة الجدباء درت. وأكرم داود بالطير المحشورة، ومحمداً ﷺ بالبراق. وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأكرمه ﷺ بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة. وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول ﷺ فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله ﷺ فردها إلى مكانها. وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس، والرسول ﷺ عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك. ورد الشمس لسليمان مرة، والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي عليه السلام فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله ﷺ، وردها مرة أخرى لعلي عليه السلام فصلى العصر لوقته. وعلم سليمان منطق الطير، وفعل ذلك في حق محمد ﷺ، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال : أيكم فجع هذه بولدها ؟ فقال رجل : أنا فقال : اردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور. وأكرم سليمان بمسير غدو شهر، وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له ﷺ يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به، وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال : إني رسول رسول الله ﷺ فتبصبص. وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد ﷺ. وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت : كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه. وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل. ومعجزاته ﷺ أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام، فثبت صحة قوله ﴿إنّا أعطيناك الكوثر﴾ قيل : هو القرآن ؛ لأن فوائده عديدة الحصي. وقيل : الإسلام، أو الشفاعة، أو رفع الذكر، أو العلم ﴿وعلمت ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]، أو الخلق الحسن ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾
[القلم: ٤]، وقد يقال : إن هذه السورة مع قصرها معجزة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب، وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد، وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها، فإنها أقصر سورة من القرآن.
القرآات ﴿شانيك﴾ بالياء : يزيد والشموني وحمزة في الوقف. وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.