لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله عزّ وجلّ :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ نهر في الجنة أعطاه الله محمداً ﷺ. وقيل : الكوثر القرآن العظيم. وقيل : هو النّبوة، والكتاب، والحكمة. وقيل : هو كثرة أتباعه، وأمته. وقيل : الكوثر الخير الكثير كما فسره ابن عباس. ( خ ) عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : إن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. وأصل الكوثر فوعل من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير القدر والخطر كوثراً. وقيل : الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضل بها على جميع الخلق، فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد أعطيه النبي ﷺ : أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام، وإظهاره على الأديان كلها، والنّصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه وبعده إلى يوم القيامة.
وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور العلماء، أنه نهر في الجنة كما جاء مبيناً في الحديث ( ق ) عن أنس قال :" بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال :" أنزلت عليَّ آنفاً سورة "، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾، ثم قال :" أتدرون ما الكوثر ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم. قال :" فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجلّ، فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول : رب إنه من أمتي. فيقول : ما تدري ما أحدث بعدك ". لفظ مسلم وللبخاري قال : قال رسول الله ﷺ :" لما عرج بي إلى السّماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه -أو طينته- مسك أذفر " شك الراوي. عن أنس رضي الله عنه قال :" سئل رسول الله ﷺ : ما الكوثر ؟ قال : ذلك نهر أعطانيه الله -يعني في الجنة- أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزور، قال عمر : إن هذه لناعمة، فقال رسول الله ﷺ : أكلتها أنعم منها " أخرجه التّرمذي، وقال : حديث حسن صحيح.
عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج " أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن صحيح. ( خ ) " عن عامر بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال : سألت عائشة عن قوله تعالى ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، فقالت : الكوثر نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه در مجوف، آنيته كعدد نجوم السماء ". ( ق ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ :" حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها لا يظمأ أبداً "، زاد في رواية " وزواياه سواء ". ( ق ) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال :" أمامكم حوضي ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح "، قال بعض الرواة هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وفي رواية " فيه أباريق كنجوم السّماء، من ورده فشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ". ( ق ) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :" ما بين ناحيتي -وفي رواية لابتي- حوضي كما بين صنعاء والمدينة "، وفي رواية " مثل ما بين المدينة وعمان "، وفي رواية قال :" إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء ". ( م ) عن أبي ذر رضي الله عنه قال :" قلت : يا رسول الله، ما آنية الحوض ؟ قال : والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل ". ( م ) عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :" إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي، أي حتى يرفض عليهم، فسئل عن عرضه فقال :" من مقامي إلى عمان "، وسئل عن شرابه فقال :" أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما : من ذهب، والآخر من الورق " ( ق ) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول : أي ربي أصحابي، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". ( ق ) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ " قال : ليردن عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني، فلأقولن : أي رب أصحابي أصحابي، فليقالن لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "، وفي رواية " يردن عليَّ ناس من أمتي الحديث "، وفي آخره " فأقول سحقاً لمن بدل بعدي ". ( ق ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن رسول الله ﷺ قال :" يرد عليَّ يوم القيامة رهطان من أصحاب- أو قال من أمتي- فيجلون عن الحوض، فأقول : رب أصحابي، فيقول : إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك. إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى "، ولمسلم أن رسول الله ﷺ قال :" ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا : أيا نبي الله تعرفنا ؟ قال : نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرّاً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إليّ، فأقول : يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟ ". ( ق ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" والذي نفسي بيده لأذودن رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض ". ( م ) عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :" إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لأذودن عنه الرجل كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن إبله. قالوا : يا رسول الله وتعرفنا ؟ قال : نعم، تردون على غرّاً محجلين من آثار الوضوء، ليس لأحد غيركم ". عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال :" كنا مع رسول الله ﷺ فنزلنا منزلاً فقال : ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض، قيل : كم كنتم يومئذ ؟ قال : سبعمائة أو ثمانمائة " أخرجه أبو داود.
( فصل في شرح هذه الأحاديث وذكر ما يتعلق بالحوض ) :
قال الشّيخ محيي الدّين النّووي : قال القاضي عياض : أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة، والجماعة لا يتأول، ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه الخلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي ذر، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصّديق، وزيد بن أرقم، وأبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن حبلة، وعبد الله بن الصنابحي، والبراء بن عازب، وأسماء بنت أبي بكر الصّديق، وخولة بنت قيس، وغيرهم. قال الشيخ محيي الدّين : ورواه البخاري ومسلم أيضاً من رواية أبي هريرة، ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب، وعائذ بن عمرو، وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " البعث والنشور " بأسانيده وطرقه المتكاثرة. قلت : وقد اتفقا على إخراج حديث الحوض عن جماعة ممن تقدم ذكرهم من الصّحابة على ما سبق ذكره في الأحاديث، وفيه بيان ما اتفقا عليه، وانفرد به كل واحد منهما، وأخرجا أيضاً حديث الحوض عن أسماء بنت أبي بكر الصّديق، وذكرها القاضي عياض فيمن خرج له في غير الصحيحين. قال القاضي عياض : وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواتراً، وأما صفة الحوض ومقداره، فقد قال في رواية :" حوضي مسيرة شهر "، وفي رواية :" ما بين جنبيه كما بين جرباء، وأذرح "، وفي رواية :" كما بين أيلة، وصنعاء اليمن "، وفي رواية :" عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة "، وفي رواية :" إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن "، فهذا الاختلاف في هذه الروايات في قدر الحوض ليس موجباً للاضطراب فيها ؛ لأنه لم يأت في حديث واحد ؛ بل في أحاديث مختلفة الرواة، عن جماعات من الصّحابة سمعوها من النبي ﷺ في مواطن مختلفة، ضربها النبي ﷺ مثلاً لبعد أقطار الحوض وسعته، وقرب ذلك على أفهام السامعين لبعد ما بين هذه البلاد المذكورة، لا على التقدير الموضوع للتحديد ؛ بل لإعلام السامعين عظم بعد المسافة وسعة الحوض، وليس في ذكر القليل من هذه المسافة منع من الكثير، فإن الكثير ثابت على ظاهره، وصحت الرواية به، والقليل داخل فيه فلا معارضة، ولا منافاة بينهما، وكذلك القول في آنية الحوض من أن العدد المذكور في الأحاديث على ظاهره، وأنها أكثر عدداً من نجوم السّماء، ولا مانع يمنع من ذلك، إذ قد وردت الأحاديث الصّحيحة الثّابتة بذلك، وكذلك القول في الواردين إلى الحوض الشّاربين منه، وكثرتهم وقوله ﷺ :" ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد الحوض "، لم يرد به الحصر بهذا العدد المذكور، وإنما ضربه مثلاً لأكثر العدد المعروف للسّامعين، ويدل على هذا قوله ﷺ " من ورد شرب منه "، فهذا صريح في أن جميع الواردين يشربون، وإنما يمنع منه الذين يزدادون، ويمنعون الورود لارتدادهم، وتبديلهم، وهو قوله ﷺ :" فيختلج العبد منهم فأقول : رب إنه من أمتي، فيقول : ما تدري ما أحدث بعدك "، وفي رواية " وليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول : أي رب أصحابي، فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "، ونحو هذا من الروايات المذكورة في الأحاديث السابقة، وهذا مما اختلف العلماء في معناه، وفي المراد به منهم، فقيل : المراد بهم المنافقون والمرتدون في زمن النبي ﷺ، فيحتمل أنهم إذا حشروا عرفهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم فيناديهم، فيقال : له ليس هؤلاء ممن وعدت بهم، إنهم قد بدلوا بعدك، أي لم يكونوا على ما ظهر من إسلامهم، وقيل : المراد بهم من أسلموا في زمن النبي ﷺ ثم ارتدوا بعده في زمن أبي بكر الصّديق، وهم الذين قاتلهم على الردة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى