الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وظاهرُ قولهِ :﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.
وقوله تعالى :﴿إِذَا تردى﴾، قال قتادة وغيره : معناه تردَّى في جهنم. وقال مجاهد :﴿تردى﴾ معناه : هَلَكَ من الردَّى، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي رضي اللَّه عنه قال : كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ :" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ ؛ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ ؛ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ ؟ قال : أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ :﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ إلى قوله :﴿للعسرى﴾ وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له : أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا ؟ قال : لاَ ؛ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه » :" وسأَلَ شَابَّانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالاَ : العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ ؟ فقال : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ : فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ : قَالَ : اعملوا ؛ فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له قالا : فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ " انتهى. وقال قوم : معنى تردى، أي : بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ؛ ومنه قول الشاعر :
نُصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُرَدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى