جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني جلّ ثناؤه بقوله : وَما يُغْني عَنْهُ مالُهُ : أيّ شيء يدفع عن هذا الذي بخل بماله، واستغنى عن ربه، مالُه يوم القيامة إذَا هو تَرَدّى ؟.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إذَا تَرَدّى فقال بعضهم : تأويله : إذا تردّى في جهنم : أي سقط فيها فَهَوى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا الأشجعيّ، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدّى قال : في جهنم. قال أبو كُرَيب : قد سمع الأشجعيّ من إسماعيل ذلك.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله : إذَا تَرَدّى قال : إذا تردّى في النار.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إذا مات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدّى قال : إذا مات.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : إذا تَرَدّى قال : إذا مات.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال : إذا مات.
وأَولَى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : إذا تردّى في جهنم، لأن ذلك هو المعروف من التردّي فأما إذا أُريد معنى الموت، فإنه يقال : رَدِيَ فلان، وقلما يقال : تردّى.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني عمرو بن عبد الملك الطائي، قال: ثنا محمد بن عبيدة، قال: ثنا الجراح، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسا وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلا وَقَدْ عُلِمَ مِقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أو النَّار" قلنا: يا رسول الله أفلا نتوكل؟ قال لهم: " اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ثم قال: "أمَا سَمِعْتم اللهَ فِي كِتابِهِ يَقُولُ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ".
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة، عن ابن عباس (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) : للشرّ من الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كُلّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَملِهِ".
حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب، قال: سأل غلامان شابان النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالا يا رسول الله، أنعمل فيما جفَّت به الأقلام، وجرَت به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بَلْ فِيما جَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ وَجَرَتْ به المقادِيُر" قالا ففيم العمل إذن؟ قال: "اعمَلُوا، فَكُلُّ عامِلٍ مُيَسَّرٌ لَعَمَلِهِ الَّذِي خلِقَ لَهُ"، قالا فالآن نجدّ ونعمل.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾.