تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله - تعالى - :( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) يعني : إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وذلك مثل قوله :( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله )(١) أي : فإذا أردت القراءة. تقول : إذا اتجرت فاتجر إلى البر، وإذا جالست، فجالس فلانا، أي : إذا أردت المجالسة.
وظاهر الآية يقتضي أنه يجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، ولكن بالسنة عرفنا جواز الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، فإن رسول الله ﷺ جمع بين أربع صلوات يوم الخندق بوضوء واحد(٢) وجمع ﷺ بين خمس صلوات يوم فتح مكة بوضوء واحد(٣)، وحكى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : الوضوء لكل صلاة مكتوبة. وقيل : هو على الاستحباب. وقال زيد بن أسلم : تقدير الآية : إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع - يعني : من النوم - فيكون إيجاب الوضوء بالحدث ؛ لأن النوم حدث.
( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) يعني : مع المرافق، قال المبرد : إذا مُدّ الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مُدّ إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه الغاية، فقوله :( إلى المرافق ) مُدَّ إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية. وأما قوله :( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) (٤) مُدَّ إلى خلاف جنسه، فلا تدخل فيه الغاية. والمرفق سمى بذلك ؛ لارتفاق الإنسان به بالاتكاء عليه.
( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص : بالنصب ؛ فيكون تقديره : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وقرأ الباقون ( وأرجلكم ) بالكسر(٥).
واختلف العلماء في وجوب غسل الرجل، فأكثر العلماء - وعليه الإجماع اليوم - أن غسل الرجل واجب، ويحكى عن علي أنه قال : يجوز المسح على الرجل، وهو الواجب، وحكى خلاف عنه، قال الشعبي : نزل القرآن بغسلين ومسحين، وقال محمد بن جرير الطبري : يتخير بين المسح والغسل ؛ لاختلاف القراءة.
والأصح أنه يجب الغسل، وقد دلت السنة عليه، فروى عن النبي ﷺ أنه قال :«ويل للأعقاب من النار »(٦) وروي مرفوعا :«لا يقبل الله - تعالى - صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه ؛ فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه »(٧). وقال ﷺ :«ما من رجل يتوضأ فيغسل وجهه إلا ( خرجت ) (٨)خطاياه التي نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء - إلى أن قال - : وإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه التي مشت بها قدمه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء »(٩)، وروى :«أنه ﷺ رأى رجلا توضأ، وبقي من رجله قدر ظفرة لم يصبه الماء ؛ فقال : ارجع فأحسن الوضوء »(١٠) وأمره بالرجوع دليل وجوب.
فأما قوله :( وأرجلكم إلى الكعبين ) من قرأ بالنصب فهو ظاهر في وجوب الغسل، وأما من قرأ بالخفض فتقديره : فامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. ويجوز أن يعطف الشيء على الشيء وإن كان يخالفه في الفعل، قال الشاعر :
ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا
أي : متقلدا سيفا، ومتنكبا رمحا، وقال آخر :
علفتها تبنا وماء باردا
أي : وسقيتها ماءا باردا ؛ فكذلك قوله - تعالى - :( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ) أي : واغسلوا أرجلكم ؛ إلا أنه خفض على الاتباع والمجاورة كما قالت العرب :" جحر ضب خرب "، ونحو ذلك.
وقال أبو زيد الأنصاري - وهو إمام اللغة - العرب قد تسمي الغسل الخفيف : مسحا، تقول العرب : تمسح يا هذا، يريدون به : اغتسل، فعطفه على المسح لا ينفي الغسل ؛ فيجوز أن يكون المراد بهذا المسح في الرأس حقيقة المسح، وفي الرجل الغسل ؛ ولأن غسل الرجل على الأغلب لا يخلو عن مسح ؛ [ ولذلك ] (١١) فساغ أن يسمى غسلها : مسحا، وقوله :( إلى الكعبين ) يعني : مع الكعبين، كما بينا في المرافق، والكعبان : هما العظمان الناتئان على جانبي القدم.
( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) أي : فاغتسلوا ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) وقد بينا الكلام فيه. ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) وقوله : منه. دليل على أن الصعيد هو التراب ؛ لتحقق المسح منه ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) أي : ضيق ( ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) قال محمد ابن كعب القرظي : أراد بإتمام النعمة : تكفير الخطايا بالوضوء على ما روينا، وهذا مثل قوله :( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ) (١٢) يعني : بغفران الذنب، وفي الوضوء تكفير الخطايا التي ارتكبها في الدنيا، ونور يوم القيامة قال ﷺ :«أمتي غرّ محجّلون من آثار الوضوء يوم القيامة ؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل »(١٣).
١ - النحل: ٩٨..
٢ - روى هذا من حيث أبي سعيد الخدري، رواه الشافعي في الأم (١/٨٦)، وأحمد في المسند ٣ (٦٧-٦٨)، وأبو يعلى في مسنده (٢/٤٧١/ رقم ١٢٩٦)، والبيهقي في الكبرى (١/٤٠٢).
وروى من حديث ابن مسعود، رواه الترمذي في جامعه (١/٣٣٧ رقم ١٧٩) ورواه النسائي (٢/١٧-١٨/ رقم ٦٦٢)، وأحمد (١/٣٧٥، ٤٢٢).
وروى من حديث جابر بن عبد الله أيضا، انظر نصب الراية (٢/١٦٦)..

٣ - رواه مسلم في صحيحه (٣/٢٢٧/ رقم ٢٧٧)، وأبو داود (١/٤٤/ رقم ١٧٢)، والترمذي (١/٨٩/ رقم ٦١) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (١//٨٦/ رقم ١٣٣) وابن ماجة (١/٧٠/ رقم ٥١٠) من حديث بريدة. رضي الله عنه..
٤ - البقرة: ١٨٧..
٥ - وقرأ يعقوب بالنصب أيضا. انظر النشر (٢/٢٥٤)..
٦ - متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو، رواه البخاري (١/٣١٩/رقم ١٦٣) ومسلم (٣/١٦٤-١٦٦/ رقم ٢٤١)..
٧ - قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (١/٩٧): لم أجده بهذا اللفظ، وقد سبق الرافعي إلى ذكره هكذا ابن السمعاني في "الاصطلام"، وقال النووي: إنه ضعيف غير معروف، وقال الدارمي في جمع الجوامع: ليس بمعروف ولا يصح..
٨ - في "ك": خرت..
٩ - رواه مسلم (٣/١٦٧-١٦٩ / رقم ٢٤٤)، والترمذي (١/٦-٧/ رقم ٢)، وأحمد في مسنده (٢/٣٠٣) وابن خزيمة في صحيحه (١/٥ رقم ٥)، وابن حبان في صحيحه – الإحسان – (٣/٣١٥ / رقم ١٠٤٠) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -..
١٠ - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٧/ رقم ٢٤٣)، وأحمد في مسنده (١/٢١) وابن ماجة (١/٢١٨ / رقم ٦٦٦) من حديث عمر – رضي الله عنه-.
وروى أيضا من حديث أبي بكر، وأنس بن مالك وغيرهما، انظر نصب الراية (١/٣٥-٣٦)..

١١ - في "الأصل" و"ك": وذلك..
١٢ - الفتح: ٢..
١٣ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري (١/٢٨٣/ رقم ١٣٦)، ومسلم (٣/١٧٠-١٧١/ رقم ٢٤٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى