اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله سبحانه وتعالى :﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية اعلم أنَّ الله تعالى افتتح السورة بقوله :﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. فطلب الوَفَاءَ بعهد العبوديَّة، فكأنَّ العبد قال : يا إلهي، العهد(١) نوعان : عهد الرُّبوبيّة منك، وعهد العبوديّة منا، فأنتَ أولى بأن تقدم الوفاء(٢) بعهد الرُّبوبية والكرم، [ نعم أنا أوفي بعهد الربوبية والكرم ](٣) ومعلوم أنَّ منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح، فبيَّن تعالى ما يحلُّ وما يحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحَاجَةُ [ إلى ] المطعوم فوق الحاجة إلى المَنْكُوحِ قدم بيان المطعوم على المنكوح، فلما تم هذا البيان فكأنه قال : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب من منافع الدُّنيا، فاشتغل أنت في الدُّنيا بالوفاء بعهد العبودية، فلما كان أعظم الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، ولا يمكن إقامتها إلا بالطَّهارة لا جَرَمَ بدأ اللَّهُ تعالى بذكر شرائط الوضوء.
قوله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
قالوا : تقديره : إذا أردتم القيامَ كقوله :﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
وهذا من إقامَةِ المُسَبَّب مقام(٤) السبب، وذلك أنَّ القيام متسبِّبٌ عن الإرادة، والإرادة سَبَبُهُ.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٥) : فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأنَّ الفعل يوجد بقدرة الفاعِلِ عليه، وإرادته له، وهي قصده إليه وميله، وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل [ بالفعل ](٦) في قولهم : الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي : لا يقدران على الطَّيران والإبصار ؛ ومنه قوله تعالى :﴿نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي : قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأنَّ [ الفعل ](٧) مُسَبَّب عن القدرة، فأقيم [ المسبب ](٨) مقام السبب للمُلاَبَسَةِ بينهما، ولإيجاز الكلام.
وقيل : تقديره : إذا قصدتم الصلاة ؛ لأنَّ من تَوَجَّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له، فعَبَّر بالقيام عن القصد.
والجمهورُ قدروا حالاً محذوفة من فاعل " قُمْتُمْ "، أي : إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثين ؛ إذ لا وضوء على غير المحدث، وإن كان قال به جماعةٌ قالوا : وَيَدُلُّ على هذه الحال المحذوفة مقابلتها بقوله :﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، فكأنه قيل : إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا كذا، وامْسَحُوا كذا، وإن كنتم محدثين [ الحدث الأكبر ](٩) فاغْسِلُوا الجسد كُلَّهُ.
قال شهابُ الدِّين(١٠) : فيه نظر.
قال قوم(١١) : الأمر بالوضوء ليس تكليفاً مستقلاً بنفسه، لأنَّ قوله :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ جملة شرطية، الشَّرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلَّق على الشيء بحرف الشرط [ يعدم عند ](١٢) عدم الشَّرط، فاقتضى أن الأمر بالوضوء تبع(١٣) للأمر بالصَّلاة.
وقال آخرون : المقصُودُ من الوضوء الطَّهارة، والطَّهارة مقصودة بذاتها لقوله تعالى في آخر الآية :﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ولقوله عليه الصلاة والسلام :[ بُنِيَ ](١٤) الدِّينُ على النَّظَافَةِ " (١٥)، وقال :" أمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أثَرِ الوُضُوء يَوْمَ القِيَامَةِ " (١٦).
والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب كثيرة.
قال دَاوُد(١٧) : يجبُ الوضوء لكلِّ صلاة لظاهر الآية لأن قوله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يقتضي العموم، [ وقال أكثر الفقهاء(١٨) : لا يجب ].
قال الفقهاء(١٩) كلمة " إذَا " لا تفيد العموم ؛ لأنَّهُ لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة طُلِّقَتْ، فلو(٢٠) دخلت ثانية لم تطلق [ ثانياً ](٢١) وإذا قال السيِّد لعبده : إذا دَخَلْتَ السُّوقَ فادْخُلْ على فلان، وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة.
ويمكن أن يجاب بأنَّ التَّكاليف الواردة في القرآن مبناها على التَّكرير وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبنى الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فاستدلوا على صحة قولهم بأنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم الفتح صلّى صلوات كلّها بوضوء واحد، وجمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد(٢٢).
وأجابَ داودُ بأنَّ خبر الواحد لا يَنْسَخُ القرآن، وقال قومٌ(٢٣) : هو أمر على طريق النّدب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدِّدَ الطَّهَارَة وإن كان على طهرٍ لما روى عبد الله بن حنظلة بن عامر أنَّ رسُولَ الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بالوضوء عند كلِّ صلاة طاهراً، أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك عليه أمر بالسّواك عند كل صلاة، وقال قوم(٢٤) : هو إعْلام من الله تعالى ورسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصَّلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا لَهُ من الأفعال غير الصلاة، كما روى ابن عبّاسِ(٢٥) " قال : كنا عند النّبيِّ ﷺ فرجع من الغائط، فأتي بطعام فقيل :" ألا تتوضأ، فقال : لَم أصَلِّ فأتَوضَّأ " (٢٦).
قوله سبحانه :﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾.
وحدُّ الوجه من [ منابت الشَّعر ](٢٧) إلى منتهى الذقنِ طولاً، وما بين الأذنين عرضاً يجب غسل جميعه في الوُضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين، وأهداب العينين، والشّارب، والعذارِ، والعَنْفَقَةِ وإن كان كثيفة.
وأما العَارِضُ واللِّحية وإن كانت كثيفة لا ترى البَشْرَة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوُضُوءِ، بل يجبُ غسل ظاهرها، وهل يجبُ إمرار الماء لما على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذَّقْنِ ؟.
فقال أبُو حنيفة(٢٨) : لا يجب ؛ لأنَّ الشَّعر النازل عن حدِّ الرَّأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المَسْحِ ؛ كذلك النازِل عن حدِّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله، وقال غيره : يجب إمرار الماء على ظاهره ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بغسل الوَجْهِ، والوجهُ ما يقع به المواجهة، قال ابنُ عباسٍ(٢٩) : يجبُ غسل داخل العينين ؛ لأنَّهُ من الوجه، وقال غيره(٣٠) : لا يجبُ للحرج.
والمضمضة والاستنشاق يجبان في الوضوء.
والغسلُ عند أحمد وإسحاق وعند الشَّافِعِيِّ لا يجبان بناء على أنهما من الباطِنِ، ولو نبت للمرأة لحية ؟ وجب إيصال الماء إلى جلدَةِ الوجه، وإن كانت كثيفة.
قوله [ سبحانه ](٣١) :﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
في " إلى " هذه وجهان :
أحدهما : أنَّها على بابها من انتهاء [ الغاية ](٣٢)، وفيها حينئذٍ خلاف.
فقائل : إن ما بعدها لا يدخُلُ فيما قبلها.
وقائل بعكس ذلك.
وقائلٌ : لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنَّما [ يدور ](٣٣) الدخول والخروج مع الدَّليل وعدمه.
وقائل : إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها [ دخل ](٣٤) في الحكم، وإلاَّ فلا، ويُعْزَى لأبي العبَّاس.
وقائل : إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه، فيحتمل الدخول وعدمه.
وأوَّلُ هذه الأقوال هو الأصَحُّ عند النُّحاة.
قال بعضهم : وذلك أنَّا حيث وجدنا قرينة مع " إلى "، فإن تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبلها، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن، فينبغي أن يحمل على الأمر الفاشي الكثير، وهو الإخراج، وفرق هذا القائل بين " إلى " و " حتّى " فجعل " حتى " تقتضي الإدخال، و " إلى " تقتضي الإخراج بما تقدَّم من الدَّليل.
[ وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في كتابي " شرح التسهيل " ](٣٥).
والوجه الثاني : أنَّهَا بمعنى " مع " أي : مع المرافِقِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في ذلك عند قوله :" إلى أمْوالِكُمْ ".
و " المرافِق " جمع " مَرْفِق " بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة، وهو مِفْصَلٌ بين العَضُدِ والمِعْصَمِ.
ذهب أكثرُ العلماء(٣٦) إلى وجوب غسلِ اليديْنِ مع المرفقين والرجلين مع الكعبين. وقال مالكٌ والشعبيُّ ومُحمَّد بنُ جرير وزفَرُ : لا يجب غسلُ المرفقين والكعبين في اليد والرجّل ؛ لأن حرف " إلى " للغاية، والحدّ لا يدخل في المحدود، وما يكون غاية للحكم يكون خارجاً عنه كقوله تعالى :﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والجوابُ : أنَّ حدَّ الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، فهاهنا يكون الحد خارجاً عن المحدود كقوله :﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنَّ النَّهار مُنفَصِلٌ عن الليل انفصالاً محسوساً، وقد لا يكون منفصلاً كقولك :" بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف "، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس فإذا كان كذلك فامتياز المرفق عن السَّاعد ليس له مفصل معين ؛ فوجب غسله.
وثانياً : سلّمنا أنّ المرفق لا يجب غسله، إلاَّ أنَّ المرفقَ اسم لما جاوز طرف العظم ؛ لأنَّهُ هو الذي يرتفق به أي يتَّكِئُ عليه، ولا نِزَاع أنَّ ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، قاله الزجاج(٣٧).
فإن قطع ما دون المرفق ؛ وجب غسل ما بقي ؛ لأنَّ محل التكليف باقٍ وإن كان قطع مما فوق المرفق لم يجب ؛ لأنَّ محلّ التّكليف زال، وإن كان قطع من المرفق ؛ فقال الشافعي : يجب إمساسُ [ الماء عند ملتقى العظمين ؛ وجب مساس ](٣٨) لطرف العظم ؛ لأنَّ غسل المرفق كان واجباً، وهو عبارة عن ملتقى العَظْميْنِ، فوجب إمساسُ الماء عند ملتقى العَظْمَيْنِ، وجب إمْسَاس لطرف العظم الباقي لا محالة.
قوله عزَّ وعلا(٣٩) :﴿وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾.
في هذه " الباء " ثلاثةُ أوْجُه :
أحدها : أنَّها للإلصاق، أي : ألصقوا المسح برؤوسكم.
قال الزمخشريُّ(٤٠) : المرادُ إلصاق المَسْحِ بالرَّأسِ، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما مُلْصق المسح برأسه.
قال أبو حيَّان(٤١) : وليس كما ذكر، يعني أنَّهُ لا يطلق على [ الماسح ](٤٢) بعض رأسه، أنَّهُ ملصق المسح برأسه، وهذا مُشَاحَّةٌ لا طَائِلَ تحتها(٤٣).
والثاني : أنها(٤٤) زائدة كقوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله :[ البسيط ]
. . . *** لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ(٤٥)
وهو ظاهرُ كلام سيبويْهِ(٤٦)، فإنَّهُ حكى : خشَّنت صدره وبصدره، ومسحت رأسه وبرأسه، والمعنى واحد.
وقال الفرَّاءُ(٤٧) : تقول العربُ : خذ الخِطَامَ، و [ خذ ] بالخطام. وَهزَّهُ وَهزَّ به، وخذ برأسه ورأسه.
والثالث : أنَّها للتبعيضِ، كقوله :[ الطويل ]
وهذا قول ضعيفٌ، وتقدَّم الكلامُ في ذلك في أول البسملة.
اختلف العلماء(٤٩) في قدر الواجب من مَسح الرَّأسِ، فقال مالكٌ وأحْمَدُ : يجب مسح جميع [ الرأس كما يجب مسح جمي
قوله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
قالوا : تقديره : إذا أردتم القيامَ كقوله :﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
وهذا من إقامَةِ المُسَبَّب مقام(٤) السبب، وذلك أنَّ القيام متسبِّبٌ عن الإرادة، والإرادة سَبَبُهُ.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٥) : فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأنَّ الفعل يوجد بقدرة الفاعِلِ عليه، وإرادته له، وهي قصده إليه وميله، وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل [ بالفعل ](٦) في قولهم : الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي : لا يقدران على الطَّيران والإبصار ؛ ومنه قوله تعالى :﴿نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي : قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأنَّ [ الفعل ](٧) مُسَبَّب عن القدرة، فأقيم [ المسبب ](٨) مقام السبب للمُلاَبَسَةِ بينهما، ولإيجاز الكلام.
وقيل : تقديره : إذا قصدتم الصلاة ؛ لأنَّ من تَوَجَّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له، فعَبَّر بالقيام عن القصد.
والجمهورُ قدروا حالاً محذوفة من فاعل " قُمْتُمْ "، أي : إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثين ؛ إذ لا وضوء على غير المحدث، وإن كان قال به جماعةٌ قالوا : وَيَدُلُّ على هذه الحال المحذوفة مقابلتها بقوله :﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، فكأنه قيل : إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا كذا، وامْسَحُوا كذا، وإن كنتم محدثين [ الحدث الأكبر ](٩) فاغْسِلُوا الجسد كُلَّهُ.
قال شهابُ الدِّين(١٠) : فيه نظر.
فصل هل الأمر بالوضوء تكليف مستقل ؟
قال قوم(١١) : الأمر بالوضوء ليس تكليفاً مستقلاً بنفسه، لأنَّ قوله :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ جملة شرطية، الشَّرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلَّق على الشيء بحرف الشرط [ يعدم عند ](١٢) عدم الشَّرط، فاقتضى أن الأمر بالوضوء تبع(١٣) للأمر بالصَّلاة.
وقال آخرون : المقصُودُ من الوضوء الطَّهارة، والطَّهارة مقصودة بذاتها لقوله تعالى في آخر الآية :﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ولقوله عليه الصلاة والسلام :[ بُنِيَ ](١٤) الدِّينُ على النَّظَافَةِ " (١٥)، وقال :" أمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أثَرِ الوُضُوء يَوْمَ القِيَامَةِ " (١٦).
والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب كثيرة.
فصل
قال دَاوُد(١٧) : يجبُ الوضوء لكلِّ صلاة لظاهر الآية لأن قوله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يقتضي العموم، [ وقال أكثر الفقهاء(١٨) : لا يجب ].
قال الفقهاء(١٩) كلمة " إذَا " لا تفيد العموم ؛ لأنَّهُ لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة طُلِّقَتْ، فلو(٢٠) دخلت ثانية لم تطلق [ ثانياً ](٢١) وإذا قال السيِّد لعبده : إذا دَخَلْتَ السُّوقَ فادْخُلْ على فلان، وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة.
ويمكن أن يجاب بأنَّ التَّكاليف الواردة في القرآن مبناها على التَّكرير وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبنى الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فاستدلوا على صحة قولهم بأنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم الفتح صلّى صلوات كلّها بوضوء واحد، وجمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد(٢٢).
وأجابَ داودُ بأنَّ خبر الواحد لا يَنْسَخُ القرآن، وقال قومٌ(٢٣) : هو أمر على طريق النّدب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدِّدَ الطَّهَارَة وإن كان على طهرٍ لما روى عبد الله بن حنظلة بن عامر أنَّ رسُولَ الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بالوضوء عند كلِّ صلاة طاهراً، أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك عليه أمر بالسّواك عند كل صلاة، وقال قوم(٢٤) : هو إعْلام من الله تعالى ورسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصَّلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا لَهُ من الأفعال غير الصلاة، كما روى ابن عبّاسِ(٢٥) " قال : كنا عند النّبيِّ ﷺ فرجع من الغائط، فأتي بطعام فقيل :" ألا تتوضأ، فقال : لَم أصَلِّ فأتَوضَّأ " (٢٦).
قوله سبحانه :﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾.
وحدُّ الوجه من [ منابت الشَّعر ](٢٧) إلى منتهى الذقنِ طولاً، وما بين الأذنين عرضاً يجب غسل جميعه في الوُضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين، وأهداب العينين، والشّارب، والعذارِ، والعَنْفَقَةِ وإن كان كثيفة.
وأما العَارِضُ واللِّحية وإن كانت كثيفة لا ترى البَشْرَة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوُضُوءِ، بل يجبُ غسل ظاهرها، وهل يجبُ إمرار الماء لما على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذَّقْنِ ؟.
فقال أبُو حنيفة(٢٨) : لا يجب ؛ لأنَّ الشَّعر النازل عن حدِّ الرَّأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المَسْحِ ؛ كذلك النازِل عن حدِّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله، وقال غيره : يجب إمرار الماء على ظاهره ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بغسل الوَجْهِ، والوجهُ ما يقع به المواجهة، قال ابنُ عباسٍ(٢٩) : يجبُ غسل داخل العينين ؛ لأنَّهُ من الوجه، وقال غيره(٣٠) : لا يجبُ للحرج.
والمضمضة والاستنشاق يجبان في الوضوء.
والغسلُ عند أحمد وإسحاق وعند الشَّافِعِيِّ لا يجبان بناء على أنهما من الباطِنِ، ولو نبت للمرأة لحية ؟ وجب إيصال الماء إلى جلدَةِ الوجه، وإن كانت كثيفة.
قوله [ سبحانه ](٣١) :﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
في " إلى " هذه وجهان :
أحدهما : أنَّها على بابها من انتهاء [ الغاية ](٣٢)، وفيها حينئذٍ خلاف.
فقائل : إن ما بعدها لا يدخُلُ فيما قبلها.
وقائل بعكس ذلك.
وقائلٌ : لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنَّما [ يدور ](٣٣) الدخول والخروج مع الدَّليل وعدمه.
وقائل : إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها [ دخل ](٣٤) في الحكم، وإلاَّ فلا، ويُعْزَى لأبي العبَّاس.
وقائل : إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه، فيحتمل الدخول وعدمه.
وأوَّلُ هذه الأقوال هو الأصَحُّ عند النُّحاة.
قال بعضهم : وذلك أنَّا حيث وجدنا قرينة مع " إلى "، فإن تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبلها، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن، فينبغي أن يحمل على الأمر الفاشي الكثير، وهو الإخراج، وفرق هذا القائل بين " إلى " و " حتّى " فجعل " حتى " تقتضي الإدخال، و " إلى " تقتضي الإخراج بما تقدَّم من الدَّليل.
[ وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في كتابي " شرح التسهيل " ](٣٥).
والوجه الثاني : أنَّهَا بمعنى " مع " أي : مع المرافِقِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في ذلك عند قوله :" إلى أمْوالِكُمْ ".
و " المرافِق " جمع " مَرْفِق " بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة، وهو مِفْصَلٌ بين العَضُدِ والمِعْصَمِ.
فصل
ذهب أكثرُ العلماء(٣٦) إلى وجوب غسلِ اليديْنِ مع المرفقين والرجلين مع الكعبين. وقال مالكٌ والشعبيُّ ومُحمَّد بنُ جرير وزفَرُ : لا يجب غسلُ المرفقين والكعبين في اليد والرجّل ؛ لأن حرف " إلى " للغاية، والحدّ لا يدخل في المحدود، وما يكون غاية للحكم يكون خارجاً عنه كقوله تعالى :﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والجوابُ : أنَّ حدَّ الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، فهاهنا يكون الحد خارجاً عن المحدود كقوله :﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنَّ النَّهار مُنفَصِلٌ عن الليل انفصالاً محسوساً، وقد لا يكون منفصلاً كقولك :" بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف "، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس فإذا كان كذلك فامتياز المرفق عن السَّاعد ليس له مفصل معين ؛ فوجب غسله.
وثانياً : سلّمنا أنّ المرفق لا يجب غسله، إلاَّ أنَّ المرفقَ اسم لما جاوز طرف العظم ؛ لأنَّهُ هو الذي يرتفق به أي يتَّكِئُ عليه، ولا نِزَاع أنَّ ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، قاله الزجاج(٣٧).
فصل في غسل ما أمكن مما هو دون المرفق
فإن قطع ما دون المرفق ؛ وجب غسل ما بقي ؛ لأنَّ محل التكليف باقٍ وإن كان قطع مما فوق المرفق لم يجب ؛ لأنَّ محلّ التّكليف زال، وإن كان قطع من المرفق ؛ فقال الشافعي : يجب إمساسُ [ الماء عند ملتقى العظمين ؛ وجب مساس ](٣٨) لطرف العظم ؛ لأنَّ غسل المرفق كان واجباً، وهو عبارة عن ملتقى العَظْميْنِ، فوجب إمساسُ الماء عند ملتقى العَظْمَيْنِ، وجب إمْسَاس لطرف العظم الباقي لا محالة.
قوله عزَّ وعلا(٣٩) :﴿وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾.
في هذه " الباء " ثلاثةُ أوْجُه :
أحدها : أنَّها للإلصاق، أي : ألصقوا المسح برؤوسكم.
قال الزمخشريُّ(٤٠) : المرادُ إلصاق المَسْحِ بالرَّأسِ، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما مُلْصق المسح برأسه.
قال أبو حيَّان(٤١) : وليس كما ذكر، يعني أنَّهُ لا يطلق على [ الماسح ](٤٢) بعض رأسه، أنَّهُ ملصق المسح برأسه، وهذا مُشَاحَّةٌ لا طَائِلَ تحتها(٤٣).
والثاني : أنها(٤٤) زائدة كقوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله :[ البسيط ]
. . . *** لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ(٤٥)
وهو ظاهرُ كلام سيبويْهِ(٤٦)، فإنَّهُ حكى : خشَّنت صدره وبصدره، ومسحت رأسه وبرأسه، والمعنى واحد.
وقال الفرَّاءُ(٤٧) : تقول العربُ : خذ الخِطَامَ، و [ خذ ] بالخطام. وَهزَّهُ وَهزَّ به، وخذ برأسه ورأسه.
والثالث : أنَّها للتبعيضِ، كقوله :[ الطويل ]
| شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ | . . . (٤٨) |
فصل في ذكر الخلاف في القدر الواجب من مسح الرأس
اختلف العلماء(٤٩) في قدر الواجب من مَسح الرَّأسِ، فقال مالكٌ وأحْمَدُ : يجب مسح جميع [ الرأس كما يجب مسح جمي
١ في ب: فالعهد..
٢ في ب: أولى الوفاء..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: بعلم..
٥ ينظر: الكشاف ١/٦٠٩..
٦ في ب: عبر عن الفعل..
٧ في أ: الفعيل..
٨ في ب: السبب..
٩ في أ: حدثا أكبر..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/٤٩٢..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١١/١١٩..
١٢ سقط في أ..
١٣ في ب: بيع..
١٤ سقط في أ..
١٥ ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء"(١/١٢٥) وقال: لم أجده هكذا وفي الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة: تنظفوا فإن الإسلام نظيف والطبراني في الأوسط بسند ضعيف جدا من حديث ابن مسعود بلفظ: النظافة تدعو إلى الإيمان.
وله شاهد عن أبي هريرة بلفظ: تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله بنى الإسلام على النظافة.
ذكره الشيخ على القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص ٩٢) وعزاه للرافعي عن أبي هريرة..
١٦ أخرجه البخاري في الصحيح ١/٢٣٥، كتاب الوضوء: باب فضل الوضوء ومسلم في الصحيح ١/٢١٦، كتاب الطهارة: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء الحديث (٣٥/٢٤٦)..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١١٩..
١٨ ينظر: المصدر السابق..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٠..
٢٠ سقط في أ..
٢١ في ب: فإذا..
٢٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٠..
٢٣ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٢٤ ينظر: المصدر السابق..
٢٥ ينظر: المصدر السابق..
٢٦ أخرجه مسلم ١/٢٨٣، في الحيض: باب جواز أكل المحدث الطعام بلفظ: "لم؟ أأصلي فأتوضأ؟(٣٧٤)، وأحمد(٣/٢٨٥)، والحميدي(١/٢٢٥) رقم (٤٧٨) والبغوي في "شرح السنة"(١/٣٥٩) والبيهقي(١/٤٢) من حديث ابن عباس..
٢٧ في ب: منابت شعر الرأس..
٢٨ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٤..
٣٠ ينظر: المصدر السابق..
٣١ سقط في ب..
٣٢ في ب: للغاية..
٣٣ في أ: يريد..
٣٤ في ب: لم يدخل..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٦..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: فإذا وجب..
٤٠ ينظر: الكشاف ١/٦١٠..
٤١ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٥١..
٤٢ سقط في أ..
٤٣ في أ: عنها..
٤٤ سقط في أ..
٤٥ تقدم..
٤٦ ينظر: الكتاب ١/٣٧..
٤٧ ينظر: معاني القرآن ٢/١٦٥..
٤٨ تقدم..
٤٩ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٢ في ب: أولى الوفاء..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: بعلم..
٥ ينظر: الكشاف ١/٦٠٩..
٦ في ب: عبر عن الفعل..
٧ في أ: الفعيل..
٨ في ب: السبب..
٩ في أ: حدثا أكبر..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/٤٩٢..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١١/١١٩..
١٢ سقط في أ..
١٣ في ب: بيع..
١٤ سقط في أ..
١٥ ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء"(١/١٢٥) وقال: لم أجده هكذا وفي الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة: تنظفوا فإن الإسلام نظيف والطبراني في الأوسط بسند ضعيف جدا من حديث ابن مسعود بلفظ: النظافة تدعو إلى الإيمان.
وله شاهد عن أبي هريرة بلفظ: تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله بنى الإسلام على النظافة.
ذكره الشيخ على القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص ٩٢) وعزاه للرافعي عن أبي هريرة..
١٦ أخرجه البخاري في الصحيح ١/٢٣٥، كتاب الوضوء: باب فضل الوضوء ومسلم في الصحيح ١/٢١٦، كتاب الطهارة: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء الحديث (٣٥/٢٤٦)..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١١٩..
١٨ ينظر: المصدر السابق..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٠..
٢٠ سقط في أ..
٢١ في ب: فإذا..
٢٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٠..
٢٣ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٢٤ ينظر: المصدر السابق..
٢٥ ينظر: المصدر السابق..
٢٦ أخرجه مسلم ١/٢٨٣، في الحيض: باب جواز أكل المحدث الطعام بلفظ: "لم؟ أأصلي فأتوضأ؟(٣٧٤)، وأحمد(٣/٢٨٥)، والحميدي(١/٢٢٥) رقم (٤٧٨) والبغوي في "شرح السنة"(١/٣٥٩) والبيهقي(١/٤٢) من حديث ابن عباس..
٢٧ في ب: منابت شعر الرأس..
٢٨ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٤..
٣٠ ينظر: المصدر السابق..
٣١ سقط في ب..
٣٢ في ب: للغاية..
٣٣ في أ: يريد..
٣٤ في ب: لم يدخل..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢٦..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: فإذا وجب..
٤٠ ينظر: الكشاف ١/٦١٠..
٤١ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٥١..
٤٢ سقط في أ..
٤٣ في أ: عنها..
٤٤ سقط في أ..
٤٥ تقدم..
٤٦ ينظر: الكتاب ١/٣٧..
٤٧ ينظر: معاني القرآن ٢/١٦٥..
٤٨ تقدم..
٤٩ ينظر: تفسير البغوي ٢/١٥..