روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ﴾ شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد بيان ما يتعلق بدنياهم، ووجه التقديم والتأخير ظاهر ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام إليها والاشتغال بها، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازاً، وفائدته الإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وقيل : يجوز أن يكون المراد إذا قصدتم الصلاة، فعبر عن أحد لازمي الشيء بلازمه الآخر. وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً نظراً إلى عموم ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ من غير اختصاص بالمحدثين، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل، وإنما ذلك من خارج على الصحيح، لكن الإجماع على خلاف ذلك، وقد أخرج مسلم وغيره «أنه ﷺ صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه، فقال عليه الصلاة والسلام : عمداً فعلته يا عمر » يعني بياناً للجواز، فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلاً، وقوله تعالى :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ ماءاً﴾ صريح في البدلية، وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطاً مقدراً أي : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ إن كنتم محدثين لأنه يلائمه كل الملاءمة عطف ﴿الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ عليه، وقيل : الأمر للندب، ويعلم الوجوب للمحدث من السنة ؛ واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض، ووجوب بالنسبة إلى آخرين، وقيل : هو للوجوب، وكان الوضوء واجباً على كل قائم أول الأمر ثم نسخ، فقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والحاكم(١) عن عبد الله بن حنظلة الغسيل «أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث » ولا يعارض ذلك خبر أن المائدة آخر القرآن نزولاً الخ لأنه ليس في القوة مثله حتى قال العراقي : لم أجده مرفوعاً، نعم الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولاً، ثم نسخ الوجوب عنهم آخراً بما يدل على الوجوب عليه عليه الصلاة والسلام أولاً ؛ ونسخه عنه آخراً لا يخلو عن شيء كما لا يخفى.
وأخرج مالك والشافعي وغيرهما عن زيد بن أسلم أن تفسير الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم إلى الصلاة والأمر عليه ظاهر، ويحكى عن داود أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يتوضؤون كذلك، وكان علي كرم الله تعالى وجهه يتوضأ كذلك ويقرأ هذه الآية، وفيه أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه يأبى استمرار النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر، والخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت، وفعل الخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب، وقد ورد «من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات ».
﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي أسيلوا عليها الماء، وحد الإسالة أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط التقاطر، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافاً لمالك فلا يتوقف حقيقته عليه، قيل : ومرجعهم فيه قول العرب : غسل المطر الأرض، وليس في ذلك إلا الإسالة، ومنع بأن وقعه من علو خصوصاً مع الشدة والتكرر دلك أيّ دلك، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض، وهو إنما يكون بدلك، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدي الرب سبحانه وتعالى الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك. وحكي عنه أن الدلك ليس واجباً لذاته، وإنما هو واجب لتحقق وصول الماء فلو تحقق لم يجب كما قاله ابن ( أمير ) الحاج في «شرح المنية » ومن الغريب أنه قال باشتراط الدلك في الغسل ولم يشترط السيلان فيما لو أمرَّ المتوضىء الثلج على العضو فإنه قال : يكفي ذلك وإن لم يذب الثلج ويسيل، ووافقه عليه الأوزاعي مع أن ذلك لا يسمى غسلاً أصلاً ويبعد قيامه مقامه.
وحد الوجه عندنا طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين، وعرضاً ما بين شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها، واشتقاق الثلاثي من المزيد إذا كان المزيد أشهر في المعنى الذي يشتركان فيه شائع، وقال العلامة أكمل الدين : إن ما ذكروا من منع اشتقاق الثلاثي من المزيد إنما هو في الاشتقاق الصغير، وأما في الاشتقاق الكبير وهو أن يكون بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو جائز، ويعطى ظاهر التحديد وجوب إدخال البياض المعترض بين العذار والأذن بعد نباته، وهو قولهما خلافاً لأبي يوسف، ويعطى أيضاً وجوب الإسالة على شعر اللحية، وقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وغيره، فعنه يجب مسح ربعها، وعنه مسح ما يلاقي البشرة وعنه لا يتعلق به شيء، وهو رواية عن أبي يوسف، وعن أبي يوسف يجب استيعابها، وعن محمد أنه يجب غسل الكل، قيل : وهو الأصح وفي «الفتاوى الظهيرية »، وعليه الفتوى لأنه قام مقام البشرة فتحول الفرض إليه كالحاجب.
وقال في «البدائع » عن ابن شجاع : إنهم رجعوا عما سوى هذا. وكل هذا في الكثة، أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ولو أمرّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن، وفي البقال : لو قص الشارب لا يجب تخليله، وإن طال وجب تخليله، وإيصال الماء إلى الشفتين وكأن وجهه أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط ما تحته بخلاف اللحية فإن إعفاءها هو المسنون، وعد شيخ الإسلام المرغيناني في «التجنيس » إيصال الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل، وأما الشفة فقيل : تبع للفم، وقال أبو جعفر : ما انكتم عند انضمامه تبع له وما ظهر فللوجه، وروي هذا التحديد عن ابن عباس، وابن عمر والحسن وقتادة والزهري رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وغيرهم، وقيل : الوجه كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بطن كداخل الأنف والفم، وكذا ما أقبل من الأذنين، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمار ومجاهد وابن جبير وجماعة فأوجبوا غسل ذلك كله ولم أر لهم نصاً في باطن العين، والظاهر عدم وجوب غسله عندهم لمزيد الحرج وتوقع الضرر، ولهذا صرح البعض بعدم سنية الغسل أيضاً، بل قال بعضهم : يكره، نعم يخطر في الذهن رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يوجب غسل باطن العين في الغسل ويفعله، وأنه كان سبباً في كف بصره رضي الله تعالى عنه.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾ جمع مرفق بكسر ففتح أفصح من عكسه، وهو موصل الذراع في العضد، ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد، وجمهور الفقهاء على دخولها. وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها، ولذلك قيل ﴿إلى﴾ بمعنى مع كما في قوله تعالى :﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] و ﴿مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقيل : هي إنما تفيد معنى الغاية، ومن الأصول المقررة أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها دخل وإلا فلا، ولا شك أن المرافق داخلة في المسمى فتدخل، وما أورد على هذا الأصل من أنه لو حلف لا يكلم فلاناً إلى غد لا يدخل مع أنه يدخل لو تركت الغاية غير قادح فيه لأن الكلام هنا في مقتضى اللغة، والأيمان تبنى على العرف، وجاز أن يخالف العرف اللغة.
وذكر بعض المحققين أن ﴿إلى﴾ جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت وما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون، ودخول المرافق ثابت بالسنة، فقد صح عنه ﷺ أنه أدار الماء عليها. ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر، واستدل بتعارض الأشباه وبأن في الدخول في المسمى اشتباهاً أيضاً فلا تدخل بالشك، وحديث الإدارة لا يستلزم الافتراض لجواز كونه على وجه السنة كالزيادة في مسح الرأس إلى أن يستوعبه، وأجيب بأنه لا تعارض مع غلبة الاستعمال في الأصل المقرر، وأيضاً على ما قال يثبت الإجمال في دخولها فيكون اقتصاره ﷺ على المرفق وقع بياناً للمراد من اليد، فيتعين دخول ما أدخله واغسل يدك للأكل من إطلاق اسم الكل على البعض اعتماداً على القرينة.
وقال العلامة ابن حجر : دل على دخولها الإتباع والإجماع، بل والآية أيضاً بجعل ﴿إلى﴾ غاية للترك المقدر بناءاً على أن اليد حقيقة إلى المنكب كما هو الأشهر لغة، وكأنه عنى بالإجماع إجماع أهل الصدر الأول وإلا فلا شك في وجود المخالف بعد، وعدوا داود وكذا الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من ذلك ولي في عد الأخير تردد، فقد نقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على فرضية غسل اليدين مع المرفقين، قيل : ويترتب على هذا الخلاف أن فاقد اليد من المرفق يجب عليه إمرار الماء على طرف العظم عند القائل بالدخول، ولا يجب عند المخالف لأن محل التكليف لم يبق أصلاً كما لو فقد اليد مما فوق المرفق، نعم يندب له غسل ما بقي من العضد محافظة على التحجيل.
هذا واستيعاب غسل المأمور به من الأيدي فرض كما هو الظاهر من الآية، فلو لزق بأصل ظفره طين يابس أو نحوه، أو بقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إذا كان واسعاً، والمختار في الضيق الوجوب، وفي «الجامع الأصغر » إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين جاز في القروي والمدني على الصحيح المفتى به كما قال الدبوسي وقيل : يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إلا الدرن لتولده منه. وقال الصفار : يجب الإيصال مطلقاً إن طال الظفر، واستحسنه ابن الهمام لأن الغسل وإن كان مقصوراً على الظواهر لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل كقطرة شمعة، وفي «النوازل » يجب في المصري لا القروي لأن دسومة أظفار المصري مانعة من وصول الماء بخلاف القروي، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها قولاً واحداً، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها، والأخرى زائدة فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما لا فلا، ومن الغريب أن بعضاً من الناس أوجب البداية في غسل الأيدي من المرافق، فلو غسل من رؤوس الأصابع لم يصح وضوؤه.
وقد حكى ذلك الطبرسي في «مجمع البيان »، والظاهر أن هذا البعض من الشيعة، ولا أجد لهم في ذلك متمسكاً.
﴿وامسحوا﴾، قيل : الباء زائدة لتعدي الفعل بنفسه ؛ وقيل : للتبعيض، وقد نقل ابن مالك عن أبي علي في «التذكرة » أنها تجىء لذلك، وأنشد :
شربن بماء البحر ثم ترفعتمتى لجج خضر لهن نئيج
وقيل : إن العرف نقلها إلى التبعيض في المتعدي،
١ - قوله: "والحاكم" كذا بخط المؤلف مكرراً مع ما قبله فليحرر اهـ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى