الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، أمر اللّه تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم : هذا من العام الذي أريد به الخاص. والمجمل الذي وكل بيانه إلى رسول اللّه ﷺ ومعنى الآية : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، يدلّ عليه ما روي عن عكرمة إنه سأل عن هذه الآية قال : أو كلّ ساعة أتوضأ ؟ فقال : إن ابن عباس قال : لا وضوء إلاّ من حدث.
وقال الفضل بن المبشر : رأيت جابر بن عبد اللّه يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد. فإن بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل مائه الخفين. فقيل : أي شيء تصنعه برأيك ؟ فقال : بل رأيت رسول اللّه ﷺ يصنعه وأنا أصنع كما رأيت رسول اللّه ﷺ يصنع.
وروى محارب بن دثار عن ابن عمر " أن رسول اللّه ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد ".
وقال المسوّر بن مخرمة لابن عباس : هل لك في عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس : هكذا يصنع الشيطان، فدعاه فقال : ما يحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت، قال إن اللّه عز وجل يقول :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. . . الآية. قال : ليس هذا إذا توضأت فإنك على طهر حتّى تحدث، ثم قال : هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء ولّى وله ضراط.
وروى الأعمش عن عمارة قال : كان للأسود قعب قد ري رجل وكان يتوضأ به ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.
وقال زيد بن أسلم والسّدي : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وقال بعضهم : أراد بذلك كل قيام العبد إلى صلاته أن يجدّد لها طهراً على طريق الندب والاستحباب، قال عكرمة : كان علي يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
عن أبي عفيف الهذلي إنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، فقلت : يا أبا عبد الرحمن أسنّة هذا الوضوء ؟ قال : إنه كان كافياً وضوئي للصلاة كلها مالم أُحدث ولكني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول :" من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات " ففي ذلك رغبت يا ابن أخي.
وقال بعضهم : بل كان هذا أمراً من اللّه عز وجل لنبيه وللمؤمنين حتماً وامتحاناً أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ للتخفيف.
وقال محمد بن يحيى بن جبل الأنصاري قلت : لعبيد اللّه بن عمر : أخبرني عن وضوء عبد اللّه لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمّن هو ؟ قال : حدّثتنيه أسماء بنت زيد الخطاب أن عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيلي حدثها أن النبي ﷺ أُمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأُمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلاّ من حدث، وكان عبد اللّه يرى أن به قوّة عليه فكان يتوضأ.
وروى سليمان بن بريد عن أبيه " أن رسول اللّه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكّة صلّى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، فقال عمر ( رضي الله عنه ) : إنك تفعل شيئاً لم تكن تفعله قال :" عمداً فعلته يا عمر ".
وقال بعضهم : هذا إعلام من اللّه تعالى لرسوله ﷺ أن لا وضوء عليه إلاّ إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال.
وذلك إنه إذا كان أحدث امتنع من الأعمال كلها حتّى يتوضأ فأذن اللّه عز وجل بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث غير الصلاة.
وروى عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد اللّه بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال :" كان رسول اللّه ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ لوضوء الصلاة حتّى نزلت آية الرخصة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ".
وحّد الوجه من منابت شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً، وما بين الأُذنين عرضاً، فأما ما استرسل من اللحية عن الذقن ؛ فللشافعي هنا قولان :
أحدهما : أنه لا يجب على المتوضىء غسله، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني، واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يُحكم بِحُكم الرأس. وكذلك من الوجه.
والثاني : أنه يجب غسله، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية، لأن الوجه ما يواجه به، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر.
ومن الحديث قول النبي ﷺ حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين.
فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين في الوضوء، وإلى هاهنا بمعنى الحدّ والغاية، ثم استدلوا بقوله تعالى
﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والليل غير داخل في الصوم، وقال سائر الفقهاء : يجب غسلهما و( إلى ) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى
﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقوله
﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقوله
﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس.
فقال مالك والمزني : مسح جميع الرأس في الوضوء واجب.
وجعلوا الباء بمعنى التعميم، كقوله عز وجل ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقوله
﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وقال أبو حنيفة : مسح ربع الرأس واجب. أبو يوسف : نصف الرأس، الشافعي : يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحاً أجزأه، واحتج بقوله ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾، وله في هذه الآية دليلان، أحدهما : مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [ اللسان ] ماسحاً رأسه. فصار مؤدياً فرض الأمر.
والثاني : إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس ﴿فامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، كقول القائل : مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه.
قال عنترة :
ويدل عليه من السنة ما روى عمرو بن وهب النقعي عن المغيرة بن شعبة " أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفّيه "، فاقتصر في المسح على الناصية دون سائر الرأس.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ اختلف القرّاء فيه، فقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ومجاهد، وإبراهيم التميمي وأبو وائل، والأعمش، والضحّاك وعبدالله بن عامر، وعامر ونافع، والكسائي وحفص وسلام ويعقوب :( وأرجلكم ) بالنصب وهي قراءة علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ).
وروى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال : قرأ عليّ الحسن والحسين فقرأا : وأرجلَكم بالخفض، فسمع عليّ ذلك وكان يقضي بين الناس، فقال : وأرجلِكم بالنصب، وقال : هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
وقراءة عبد اللّه وأصحابه. قال الأعمش : كان أصحاب عبد اللّه يقرؤن : وأرجلكم نصباً فيغسلون.
وقراءة ابن عباس، روى عكرمة عنه أنه قرأها : وأرجلكم بالنصب وقال : عاد الأمر إلى الغسل وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالكسر، وهي قراءة أنس والحسن وعلقمة والشعبي، واختيار أبي حاتم، فمن نصب فمعناه واغسلوا أرجلَكم، ومن خفض فله وجوه ثلاث : أحدها أن المسح يعني الغسل والباء بمعنى التعميم، يقول تمسّحت للصلاة أي توضأت، وذلك أن المتوضىء لا يرضى أن يصيب وجهه وذراعيه وقدميه حتّى يمسحها فيغسلها فلذلك سمي الغسل بها، وهذا قول أبي زيد الأنصاري وأبي حاتم السجستاني.
وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما : إن الأرجل معطوفة على الرؤس على الإتباع بالجواز لفظاً لا معنى. كقول العرب ( جحر ضب خرب ) قال تعالى
﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
قال الشاعر :
والرمح لا يتقلد إنّما يحمل.
وقال لبيد :
والنعام لا تطفل وإنما تفرخ.
وقال بعضهم : أراد به المسح على الأرجل لقرب الجوار.
كقوله : غمر الردا أي واسع الصدر. ويقال : قبّلَ رأس الأمير ويده ورجله، وإن كان في العمامة رأسها وفي الكم يده وفي الخف رجله. وفي الحديث " أن النبي ﷺ كان إذا ركع وضع يده على ركبتيه " وليس المراد إنه لم يكن بينهما حائل. قال اللّه تعالى :
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال كثير من المفسرين : أراد به قلبك فطهر.
قال همام بن الحرث : بال جرير بن عبد اللّه فتوضأ ومسح على خفيه فقيل له في ذلك، فقال : رأيت رسول اللّه ﷺ يفعله.
قال الأعمش : كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، وهو أن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين، وهو قول ابن عباس قال : الوضوء مسحتان وغسلتان.
وقول أنس : روى ابن عليّة عن حميد عن موسى بن أنس إنه قال لأنس ونحن عنده : إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال : إغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وكعبهما وعراقيبهما.
فقال : صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.
وروى حماد عن عاصم الأحول عن أنس قال : نزل القرآن بالمسح، والسّنة بالغسل.
وقول الحسن والشعبي، قال الشعبي : نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً.
وقول عكرمة قال يونس : حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال : فما رأيته غسل رجليه إنما كان يمسح عليهما حتى خرج منها.
وقول قتادة قال : إفترض اللّه غسلين ومسحين، ومذهب داود بن علي الأصفهاني ومحمد ابن جرير الطبري وأبي يعلى وذهب بعضهم إلى إن المتوضىء يتخير بين غسلهما ومسحهما، والدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول اللّه عز وجل :﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ فتحديده بالكعبين دليل على الغسل كاليدين لما حدّهما إلى المرفقين كان فرضهما الغسل دون المسح.
ويدل عليه من السّنة ما روي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وعبد اللّه بن زيد إنهم حكوا وضوء رسول اللّه ﷺ فغسلوا أرجلهم.
وروى خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول اللّه ﷺ أنه قال :" لا يقبل اللّه صلاة إمرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل أرجله ".
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر أنه قال : أمرنا رسول اللّه ﷺ أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا.
وقال ابن أ
وقال الفضل بن المبشر : رأيت جابر بن عبد اللّه يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد. فإن بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل مائه الخفين. فقيل : أي شيء تصنعه برأيك ؟ فقال : بل رأيت رسول اللّه ﷺ يصنعه وأنا أصنع كما رأيت رسول اللّه ﷺ يصنع.
وروى محارب بن دثار عن ابن عمر " أن رسول اللّه ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد ".
وقال المسوّر بن مخرمة لابن عباس : هل لك في عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس : هكذا يصنع الشيطان، فدعاه فقال : ما يحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت، قال إن اللّه عز وجل يقول :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. . . الآية. قال : ليس هذا إذا توضأت فإنك على طهر حتّى تحدث، ثم قال : هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء ولّى وله ضراط.
وروى الأعمش عن عمارة قال : كان للأسود قعب قد ري رجل وكان يتوضأ به ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.
وقال زيد بن أسلم والسّدي : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وقال بعضهم : أراد بذلك كل قيام العبد إلى صلاته أن يجدّد لها طهراً على طريق الندب والاستحباب، قال عكرمة : كان علي يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
عن أبي عفيف الهذلي إنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، فقلت : يا أبا عبد الرحمن أسنّة هذا الوضوء ؟ قال : إنه كان كافياً وضوئي للصلاة كلها مالم أُحدث ولكني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول :" من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات " ففي ذلك رغبت يا ابن أخي.
وقال بعضهم : بل كان هذا أمراً من اللّه عز وجل لنبيه وللمؤمنين حتماً وامتحاناً أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ للتخفيف.
وقال محمد بن يحيى بن جبل الأنصاري قلت : لعبيد اللّه بن عمر : أخبرني عن وضوء عبد اللّه لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمّن هو ؟ قال : حدّثتنيه أسماء بنت زيد الخطاب أن عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيلي حدثها أن النبي ﷺ أُمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأُمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلاّ من حدث، وكان عبد اللّه يرى أن به قوّة عليه فكان يتوضأ.
وروى سليمان بن بريد عن أبيه " أن رسول اللّه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكّة صلّى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، فقال عمر ( رضي الله عنه ) : إنك تفعل شيئاً لم تكن تفعله قال :" عمداً فعلته يا عمر ".
وقال بعضهم : هذا إعلام من اللّه تعالى لرسوله ﷺ أن لا وضوء عليه إلاّ إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال.
وذلك إنه إذا كان أحدث امتنع من الأعمال كلها حتّى يتوضأ فأذن اللّه عز وجل بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث غير الصلاة.
وروى عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد اللّه بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال :" كان رسول اللّه ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ لوضوء الصلاة حتّى نزلت آية الرخصة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ".
وحّد الوجه من منابت شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً، وما بين الأُذنين عرضاً، فأما ما استرسل من اللحية عن الذقن ؛ فللشافعي هنا قولان :
أحدهما : أنه لا يجب على المتوضىء غسله، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني، واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يُحكم بِحُكم الرأس. وكذلك من الوجه.
والثاني : أنه يجب غسله، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية، لأن الوجه ما يواجه به، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر.
ومن الحديث قول النبي ﷺ حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين.
فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين في الوضوء، وإلى هاهنا بمعنى الحدّ والغاية، ثم استدلوا بقوله تعالى
﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والليل غير داخل في الصوم، وقال سائر الفقهاء : يجب غسلهما و( إلى ) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى
﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقوله
﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقوله
﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس.
فقال مالك والمزني : مسح جميع الرأس في الوضوء واجب.
وجعلوا الباء بمعنى التعميم، كقوله عز وجل ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقوله
﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وقال أبو حنيفة : مسح ربع الرأس واجب. أبو يوسف : نصف الرأس، الشافعي : يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحاً أجزأه، واحتج بقوله ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾، وله في هذه الآية دليلان، أحدهما : مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [ اللسان ] ماسحاً رأسه. فصار مؤدياً فرض الأمر.
والثاني : إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس ﴿فامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، كقول القائل : مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه.
قال عنترة :
| شربت بماء الدحرضين فأصبحت | زوراء تنفر عن حياض الديلم |
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ اختلف القرّاء فيه، فقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ومجاهد، وإبراهيم التميمي وأبو وائل، والأعمش، والضحّاك وعبدالله بن عامر، وعامر ونافع، والكسائي وحفص وسلام ويعقوب :( وأرجلكم ) بالنصب وهي قراءة علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ).
وروى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال : قرأ عليّ الحسن والحسين فقرأا : وأرجلَكم بالخفض، فسمع عليّ ذلك وكان يقضي بين الناس، فقال : وأرجلِكم بالنصب، وقال : هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
وقراءة عبد اللّه وأصحابه. قال الأعمش : كان أصحاب عبد اللّه يقرؤن : وأرجلكم نصباً فيغسلون.
وقراءة ابن عباس، روى عكرمة عنه أنه قرأها : وأرجلكم بالنصب وقال : عاد الأمر إلى الغسل وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالكسر، وهي قراءة أنس والحسن وعلقمة والشعبي، واختيار أبي حاتم، فمن نصب فمعناه واغسلوا أرجلَكم، ومن خفض فله وجوه ثلاث : أحدها أن المسح يعني الغسل والباء بمعنى التعميم، يقول تمسّحت للصلاة أي توضأت، وذلك أن المتوضىء لا يرضى أن يصيب وجهه وذراعيه وقدميه حتّى يمسحها فيغسلها فلذلك سمي الغسل بها، وهذا قول أبي زيد الأنصاري وأبي حاتم السجستاني.
وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما : إن الأرجل معطوفة على الرؤس على الإتباع بالجواز لفظاً لا معنى. كقول العرب ( جحر ضب خرب ) قال تعالى
﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
قال الشاعر :
| ورأيت زوجك في الوغى | متقلداً سيفاً ورمحاً |
وقال لبيد :
| وأطفلت بالجلهتين | ظباؤها ونعامها |
وقال بعضهم : أراد به المسح على الأرجل لقرب الجوار.
كقوله : غمر الردا أي واسع الصدر. ويقال : قبّلَ رأس الأمير ويده ورجله، وإن كان في العمامة رأسها وفي الكم يده وفي الخف رجله. وفي الحديث " أن النبي ﷺ كان إذا ركع وضع يده على ركبتيه " وليس المراد إنه لم يكن بينهما حائل. قال اللّه تعالى :
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال كثير من المفسرين : أراد به قلبك فطهر.
قال همام بن الحرث : بال جرير بن عبد اللّه فتوضأ ومسح على خفيه فقيل له في ذلك، فقال : رأيت رسول اللّه ﷺ يفعله.
قال الأعمش : كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، وهو أن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين، وهو قول ابن عباس قال : الوضوء مسحتان وغسلتان.
وقول أنس : روى ابن عليّة عن حميد عن موسى بن أنس إنه قال لأنس ونحن عنده : إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال : إغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وكعبهما وعراقيبهما.
فقال : صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.
وروى حماد عن عاصم الأحول عن أنس قال : نزل القرآن بالمسح، والسّنة بالغسل.
وقول الحسن والشعبي، قال الشعبي : نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً.
وقول عكرمة قال يونس : حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال : فما رأيته غسل رجليه إنما كان يمسح عليهما حتى خرج منها.
وقول قتادة قال : إفترض اللّه غسلين ومسحين، ومذهب داود بن علي الأصفهاني ومحمد ابن جرير الطبري وأبي يعلى وذهب بعضهم إلى إن المتوضىء يتخير بين غسلهما ومسحهما، والدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول اللّه عز وجل :﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ فتحديده بالكعبين دليل على الغسل كاليدين لما حدّهما إلى المرفقين كان فرضهما الغسل دون المسح.
ويدل عليه من السّنة ما روي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وعبد اللّه بن زيد إنهم حكوا وضوء رسول اللّه ﷺ فغسلوا أرجلهم.
وروى خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول اللّه ﷺ أنه قال :" لا يقبل اللّه صلاة إمرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل أرجله ".
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر أنه قال : أمرنا رسول اللّه ﷺ أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا.
وقال ابن أ