التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وبعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فيما يتعلق بمطاعمهم. وفي ما يتعلق بما يحل لهم من النساء. أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم فيما يتعلق بعبادتهم التي من أهمها الوضوء، والغسل. والصلاة. وأمرهم بالمحافظة على شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال - تعالى - :
﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة...﴾
قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ طلب الله - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية. فكأنما قيل : يا إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإِحسان. فقال - تعالى - : نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا بالوفاء بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإِيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾.
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة المسبب، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائماً على ذكر من إرادتها ودم الإِهمال في أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسي ما ملخصه : وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم ﴿الذين آمَنُواْ﴾ من غير اختصاص بالمحدثين. لكن الإِجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره " أن النبي صلى الله عليه سلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. فقال له عمر : يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه. فقال ﷺ : " عمداً فعلته يا عمر " ".
يعني : بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه اشتراط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا.
وقوله - تعالى - ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ صريح في البدلية.
ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبي ﷺ والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد : " من توضأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات ".
وقوله :﴿فاغسلوا﴾ من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم : مع الدلك.
وقوله :﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
والمرافق : جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين : تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أي : فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضاً على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الالمام بأهمها فنقول :
أولا : أخذ جمهور الفقهاء من قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا﴾ إلخ أن الوضوء لابد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أي شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبي ﷺ يقول : " إنما الأعمال بالنيات " وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف : إن النية في الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطاً في الوسيلة وهي الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا : ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا : قوله ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي ﷺ وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء : المضمضمة والاستنشاق داخلان في الغسل.
ثالثاً : أخذ كثير من الفقهاهء من قوله - تعالى - ﴿إِلَى المرافق﴾.. و ﴿إِلَى الكعبين﴾ أن المرافق داخله مع اليدين في وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل.
قالوا : لأن ﴿إلى﴾ هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبوية قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي ﷺ أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطني عن جابر " أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ".
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله :﴿إِلَى المرافق﴾ و ﴿إِلَى الكعبين﴾ تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله : قوله ﴿إِلَى المرافق﴾ تفيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله :﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ لأن الإِعسار علة الإِنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم. ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظة القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله - تعالى - :﴿مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ لوقووع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله ﴿إِلَى المرافق﴾ و ﴿إِلَى الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. " وعن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه ".
رابعا : أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله - تعالى - ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح.
فال المالكية : يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم في ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكيبة والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون - أيضاً - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا في ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة " أن النبي ﷺ كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته " قالوا : والناصية تساوي ربع الرأس.
قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقص العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هي التي استمر عليها ﷺ فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي يداوم عليها. وهي مسح الرأس مقبلا ومدبراً. وإجراء غيرها في بعض الأحوال.
خامساً : قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما : بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائي ويعقوب.
والثانية : بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أو هو منصوب بفعل مقدر أي : وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾.
قال القرطبي ما ملخصه : فمن قرأ بالنصب جعل العامل " اغسلوا " وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي ﷺ واللازم من قوله في غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته. " ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدهما فقال :﴿إِلَى الكعبين﴾ كما قال في اليدين ﴿إِلَى المرافق﴾ فدل على وجوب غسلهما.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبري بقراءة الخفض - أي قال بمسح الرجلين.
ثم قال : وقد قيل : إن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أي لفظ الرءوس - وهذا أيضاً يدل على الغسل،
﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة...﴾
قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ طلب الله - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية. فكأنما قيل : يا إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإِحسان. فقال - تعالى - : نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا بالوفاء بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإِيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾.
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة المسبب، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائماً على ذكر من إرادتها ودم الإِهمال في أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسي ما ملخصه : وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم ﴿الذين آمَنُواْ﴾ من غير اختصاص بالمحدثين. لكن الإِجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره " أن النبي صلى الله عليه سلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. فقال له عمر : يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه. فقال ﷺ : " عمداً فعلته يا عمر " ".
يعني : بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه اشتراط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا.
وقوله - تعالى - ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ صريح في البدلية.
ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبي ﷺ والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد : " من توضأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات ".
وقوله :﴿فاغسلوا﴾ من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم : مع الدلك.
وقوله :﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
والمرافق : جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين : تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أي : فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضاً على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الالمام بأهمها فنقول :
أولا : أخذ جمهور الفقهاء من قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا﴾ إلخ أن الوضوء لابد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أي شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبي ﷺ يقول : " إنما الأعمال بالنيات " وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف : إن النية في الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطاً في الوسيلة وهي الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا : ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا : قوله ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي ﷺ وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء : المضمضمة والاستنشاق داخلان في الغسل.
ثالثاً : أخذ كثير من الفقهاهء من قوله - تعالى - ﴿إِلَى المرافق﴾.. و ﴿إِلَى الكعبين﴾ أن المرافق داخله مع اليدين في وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل.
قالوا : لأن ﴿إلى﴾ هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبوية قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي ﷺ أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطني عن جابر " أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ".
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله :﴿إِلَى المرافق﴾ و ﴿إِلَى الكعبين﴾ تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله : قوله ﴿إِلَى المرافق﴾ تفيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله :﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ لأن الإِعسار علة الإِنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم. ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظة القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله - تعالى - :﴿مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ لوقووع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله ﴿إِلَى المرافق﴾ و ﴿إِلَى الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. " وعن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه ".
رابعا : أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله - تعالى - ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح.
فال المالكية : يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم في ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكيبة والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون - أيضاً - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا في ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة " أن النبي ﷺ كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته " قالوا : والناصية تساوي ربع الرأس.
قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقص العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هي التي استمر عليها ﷺ فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي يداوم عليها. وهي مسح الرأس مقبلا ومدبراً. وإجراء غيرها في بعض الأحوال.
خامساً : قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما : بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائي ويعقوب.
والثانية : بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أو هو منصوب بفعل مقدر أي : وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾.
قال القرطبي ما ملخصه : فمن قرأ بالنصب جعل العامل " اغسلوا " وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي ﷺ واللازم من قوله في غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته. " ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدهما فقال :﴿إِلَى الكعبين﴾ كما قال في اليدين ﴿إِلَى المرافق﴾ فدل على وجوب غسلهما.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبري بقراءة الخفض - أي قال بمسح الرجلين.
ثم قال : وقد قيل : إن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أي لفظ الرءوس - وهذا أيضاً يدل على الغسل،