محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
[ ٦ ] ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل علكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ( ٦ )﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ لما كان من جملة الإيفاء بالعقود التي افتتحت به هذه السورة إقامة الصلاة، وكانت مشروطة بالطهارة، بين سبحانه في هذه الآية كيفيتها.
قال بعض المفسرين : نزلت في عبد الرحمن وكان جريحا. وقيل : لما احتبس ﷺ في سفر ليلا- بسبب عقد ضاع لعائشة، وأصبحوا على غير ماء. انتهى.
والثاني رواه البخاري- كما في ( أسباب النزول ) للسيوطي- وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة النساء(١) في ( آية التيمم ) ثمة. فانظره.
ولهذه الآية ثمرات هي أحكام شرعية.
الأولى : وجوب الوضوء وقت القيام إلى الصلاة أي إرادته. فقوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾. كقوله :﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ (٢). وكقولك : إذا ضربت غلامك فهون عليه، في أن المراد إرادة الفعل. قال الزمخشري : فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه. فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم : الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي : لا يقدران على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى :﴿نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾. يعني : إنا كنا قادرين على الإعادة- كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل. وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة. فأقيم المسبب للملابسة بينهما. ولا يجاز الكلام ونحوه، من إقامة المسبب مقام السبب، قولهم : كما تدين تدان. عبر عن الفعل المبتدأ- الذي هو سبب الجزاء- بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.
الثانية : ظاهر الآية وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا. نظرا إلى عموم ﴿الذين آمنوا﴾ من غير اختصاص بالمحدثين. والجمهور على خلافه لما روى الإمام أحمد(٣) ومسلم وأهل ( السنن ) عن بريدة قال :" كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله ! إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال : إني عمدا فعلته يا عمر ". وروى البخاري(٤) عن سويد بن النعمان قال :" خرجنا مع رسول الله ﷺ، عام خيبر. حتى إذا كنا بالصهباء صلى بنا رسول الله ﷺ العصر. فلما صلى دعا بالأطعمة. فلم يؤت إلا بالسويق. فأكلنا وشربنا. ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب. فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ ". وروى الإمام أحمد(٥) وأبو داود عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، " وقد سئل عن وضوء أبيه عبد الله، لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر، عمن هو ؟ قال : حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب ؛ إن عبد الله حنظلة بن العسيل حدثها ؛ أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر. فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك. كان يفعله حتى مات ". قال ابن كثير : وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك. كما هو مذهب الجمهور.
وقد روى ابن جرير(٦) عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة. وعن عكرمة : أن عليا- رضي الله عنه- كان يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...﴾ الآية ؛ وعن النزال بن سبرة قال :" رأيت عليا صلى الظهر. ثم قعد للناس في الرحبة. ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه. ثم مسح برأسه ورجليه وقال : هذا وضوء من لم يحدث "، وفي رواية :" إنه توضأ وضوءا فيه تجوز فقال : هذا وضوء من لم يحدث " ؛ وكذا حكى أنس عن عمر أنه فعله. والطرق كلها جيدة. وأما ما رواه أبو داود والطيالسي عن سعيد بن المسيب أنه قال :" الوضوء من غير حدث اعتداء " - فهو غريب عنه. ثم هو محمول على من اعتقد وجوبه. وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك. روى الإمام أحمد عن أنس قال :" كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة. قيل له : فأنتم كيف تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث ! " ورواه البخاري(٧) وأهل ( السنن ) أيضا. وروى أبو داود(٨) والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن ابن عمر مرفوعا :" من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ". وضعفه الترمذي.
وإذ دلت هذه الأحاديث على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، فالوجه في الخروج من ظاهر الآية، أن الخطاب فيها خاص بالمحدثين.
وفي ( العناية ) : الإجماع صرفها عن ظاهرها. فأما أن تكون مقيدة- أي وأنتم محدثون- بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم- فلو لم يكن له مدخل في الوضوء، مع المدخلية في التيمم، لم يكن البدل بدلا. وقوله ﴿فلم تجدوا ماء﴾ صريح في البدلية. وقيل : في الكلام شرط مقدر. أي : إذا قمتم إلى الصلاة.. إن كنتم محدثين. وإن كنتم جنبا فاطهروا. وهو قريب جدا. انتهى.
وزعم بعضهم ؛ أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ. واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن حنظلة المتقدم. ونظر فيه بحديث :( المائدة من آخر القرآن نزولا ) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال : لم أجده مرفوعا. هذا، وقال الزمخشري : لا يجوز أن يكون الأمر في الآية شاملا للمحدثين وغيرهم- لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب- لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية. وفي ( الانتصاف ) : من جوز أن يراد بالمشترك كل واحد من معانيه على الجميع، أجاز ذلك في الآية. ومن المجوزين لذلك الشافعي- رحمه الله تعالى- وناهيك بإمام الفن وقدوته. وإذا وقع البناء على أن صيغة ( أفعل ) مشتركة بين الوجوب والندب، صح تناولها في الآية للفريقين المحدثين والمتطهرين. وتناولها للمتطهرين من حيث الندب، والله أعلم.
الثالثة : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : تمسك بهذه الآية من قال : إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك، فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي ﷺ وهو بمكة. كما فرضت الصلاة. وأنه لم يصل قط إلا بوضوء. قال : وهذا مما لا يجهله عالم.
وقال الحاكم في ( المستدرك ) : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة. ثم ساق حديث ابن عباس :" دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي، فقالت : هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك ! فقال : ائتوني بوضوء فتوضأ... " الحديث.
قال ابن حجر : وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الحكم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا ؛ وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في ( المغازي ) التي يرويها عن أبي الأسود- يتيم عروة- عنه ؛ " أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي ". وهو مرسل ؛ ووصله أحمد(٩) من طريق ابن لهيعة أيضا. لكن قال : عن الزهري، نحوه. لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند ؛ وأخرجه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق الليث عن عقيل موصولا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. انتهى.
أي : وابن لهيعة يضعف في الحديث.
الرابعة : قيل : في الآية دلالة على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة. وأيد بما رواه أبو داود والنسائي(١٠) والترمذي عن عبد الله بن عباس ؛ " أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء ؟ فقال : إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة ". قال الترمذي : حديث حسن.
وروى مسلم (١١)عن ابن عباس قال :" كنا عند النبي ﷺ. فأتى الخلاء. ثم إنه رجع فأتي بطعام. فقيل : يا رسول الله ! ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصل فأتوضأ ".
وأما اشتراط الوضوء للطواف وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة ومس المصحف- عند من أوجبه- فمن أدلة أخر مقررة في فقه الحديث.
الخامسة :( وجوب غسل الوجه ) والغسل إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه، هذا هو المحكي عن أكثر الأئمة. زاد بعضهم : مع الدلك. وعن النفس الزكية : أن مجرد الإمساس يكفي وإن لم يجر. وحد الوجه من منابت شعر الرأس على منتهى الذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. وقد ساق بعض المفسرين هنا مذاهب، فيما يشمله الوجه وما لا يشمله، ومحلها كتب الخلاف.
السادسة :( وجوب غسل اليدين ) :
وهذا مجمع عليه ؛ وأما المرفقان، تثنية مرفق ( كمنبر ومجلس ) موصل الذراع في العضد، فالجمهور على دخولهما في المغسول، وحكي عن زفر وبعض المالكية وأهل الظاهر عدم دخولهما. وسبب الخلاف أن المغيا ب ( إلى ) تارة يتضح دخوله في الغاية، وطورا لا، وآونة يحتمل.
قال الزمخشري :﴿إلى﴾ تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله :﴿فنظرة إلى ميسرة﴾(١٢) لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين، معسرا وموسرا، وكذلك :﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾(١٣) لو دخل الليل لوجب الوصال ؛ / ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى :﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾(١٤) لوقوع العلم بأنه لا يسري به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله ؛ وقوله ﴿إلى المرافق﴾ و ﴿إلى الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط. فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن، فلم يدخلاها. انتهى.
قال الرضي : الأكثر عدم دخول حدي الابتداء والانتهاء في المحدود. فإذا قلت : اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضعان لا يدخلان ظاهرا في الشراء. ويجوز دخولهما فيه مع القرينة ؛ وقال بعضهم : ما بعد ( إلى ) ظاهر الدخول فيما قبلها. فلا تستعمل في غيره إلا مجازا. وقيل : إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو : ثم قيل : بأنها في الآية بمعنى ( مع ) كقوله تعالى(١٥) :﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾. قال الرضي : والتحقيق أنها بمعنى الانتهاء. أي تضيفوها إلى أموالكم، ومضافة إلى المرافق. انتهى.
قال صاحب ( النهاية ) : وقول من لم يدخل المرافق من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة الأثر أبين. لأن في حديث مسلم(١٦) مما رواه أبو هريرة :/ " أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد. ثم اليسرى. ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق. ثم اليسرى كذلك ". واحتج أهل المذهب بحديث جابر :" أنه ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه ". قالوا : ودلالة الآية مجملة. وهذا بيان للمجم
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ لما كان من جملة الإيفاء بالعقود التي افتتحت به هذه السورة إقامة الصلاة، وكانت مشروطة بالطهارة، بين سبحانه في هذه الآية كيفيتها.
قال بعض المفسرين : نزلت في عبد الرحمن وكان جريحا. وقيل : لما احتبس ﷺ في سفر ليلا- بسبب عقد ضاع لعائشة، وأصبحوا على غير ماء. انتهى.
والثاني رواه البخاري- كما في ( أسباب النزول ) للسيوطي- وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة النساء(١) في ( آية التيمم ) ثمة. فانظره.
ولهذه الآية ثمرات هي أحكام شرعية.
الأولى : وجوب الوضوء وقت القيام إلى الصلاة أي إرادته. فقوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾. كقوله :﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ (٢). وكقولك : إذا ضربت غلامك فهون عليه، في أن المراد إرادة الفعل. قال الزمخشري : فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه. فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم : الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي : لا يقدران على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى :﴿نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾. يعني : إنا كنا قادرين على الإعادة- كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل. وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة. فأقيم المسبب للملابسة بينهما. ولا يجاز الكلام ونحوه، من إقامة المسبب مقام السبب، قولهم : كما تدين تدان. عبر عن الفعل المبتدأ- الذي هو سبب الجزاء- بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.
الثانية : ظاهر الآية وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا. نظرا إلى عموم ﴿الذين آمنوا﴾ من غير اختصاص بالمحدثين. والجمهور على خلافه لما روى الإمام أحمد(٣) ومسلم وأهل ( السنن ) عن بريدة قال :" كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله ! إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال : إني عمدا فعلته يا عمر ". وروى البخاري(٤) عن سويد بن النعمان قال :" خرجنا مع رسول الله ﷺ، عام خيبر. حتى إذا كنا بالصهباء صلى بنا رسول الله ﷺ العصر. فلما صلى دعا بالأطعمة. فلم يؤت إلا بالسويق. فأكلنا وشربنا. ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب. فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ ". وروى الإمام أحمد(٥) وأبو داود عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، " وقد سئل عن وضوء أبيه عبد الله، لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر، عمن هو ؟ قال : حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب ؛ إن عبد الله حنظلة بن العسيل حدثها ؛ أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر. فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك. كان يفعله حتى مات ". قال ابن كثير : وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك. كما هو مذهب الجمهور.
وقد روى ابن جرير(٦) عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة. وعن عكرمة : أن عليا- رضي الله عنه- كان يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...﴾ الآية ؛ وعن النزال بن سبرة قال :" رأيت عليا صلى الظهر. ثم قعد للناس في الرحبة. ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه. ثم مسح برأسه ورجليه وقال : هذا وضوء من لم يحدث "، وفي رواية :" إنه توضأ وضوءا فيه تجوز فقال : هذا وضوء من لم يحدث " ؛ وكذا حكى أنس عن عمر أنه فعله. والطرق كلها جيدة. وأما ما رواه أبو داود والطيالسي عن سعيد بن المسيب أنه قال :" الوضوء من غير حدث اعتداء " - فهو غريب عنه. ثم هو محمول على من اعتقد وجوبه. وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك. روى الإمام أحمد عن أنس قال :" كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة. قيل له : فأنتم كيف تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث ! " ورواه البخاري(٧) وأهل ( السنن ) أيضا. وروى أبو داود(٨) والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن ابن عمر مرفوعا :" من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ". وضعفه الترمذي.
وإذ دلت هذه الأحاديث على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، فالوجه في الخروج من ظاهر الآية، أن الخطاب فيها خاص بالمحدثين.
وفي ( العناية ) : الإجماع صرفها عن ظاهرها. فأما أن تكون مقيدة- أي وأنتم محدثون- بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم- فلو لم يكن له مدخل في الوضوء، مع المدخلية في التيمم، لم يكن البدل بدلا. وقوله ﴿فلم تجدوا ماء﴾ صريح في البدلية. وقيل : في الكلام شرط مقدر. أي : إذا قمتم إلى الصلاة.. إن كنتم محدثين. وإن كنتم جنبا فاطهروا. وهو قريب جدا. انتهى.
وزعم بعضهم ؛ أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ. واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن حنظلة المتقدم. ونظر فيه بحديث :( المائدة من آخر القرآن نزولا ) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال : لم أجده مرفوعا. هذا، وقال الزمخشري : لا يجوز أن يكون الأمر في الآية شاملا للمحدثين وغيرهم- لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب- لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية. وفي ( الانتصاف ) : من جوز أن يراد بالمشترك كل واحد من معانيه على الجميع، أجاز ذلك في الآية. ومن المجوزين لذلك الشافعي- رحمه الله تعالى- وناهيك بإمام الفن وقدوته. وإذا وقع البناء على أن صيغة ( أفعل ) مشتركة بين الوجوب والندب، صح تناولها في الآية للفريقين المحدثين والمتطهرين. وتناولها للمتطهرين من حيث الندب، والله أعلم.
الثالثة : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : تمسك بهذه الآية من قال : إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك، فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي ﷺ وهو بمكة. كما فرضت الصلاة. وأنه لم يصل قط إلا بوضوء. قال : وهذا مما لا يجهله عالم.
وقال الحاكم في ( المستدرك ) : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة. ثم ساق حديث ابن عباس :" دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي، فقالت : هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك ! فقال : ائتوني بوضوء فتوضأ... " الحديث.
قال ابن حجر : وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الحكم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا ؛ وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في ( المغازي ) التي يرويها عن أبي الأسود- يتيم عروة- عنه ؛ " أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي ". وهو مرسل ؛ ووصله أحمد(٩) من طريق ابن لهيعة أيضا. لكن قال : عن الزهري، نحوه. لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند ؛ وأخرجه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق الليث عن عقيل موصولا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. انتهى.
أي : وابن لهيعة يضعف في الحديث.
الرابعة : قيل : في الآية دلالة على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة. وأيد بما رواه أبو داود والنسائي(١٠) والترمذي عن عبد الله بن عباس ؛ " أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء ؟ فقال : إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة ". قال الترمذي : حديث حسن.
وروى مسلم (١١)عن ابن عباس قال :" كنا عند النبي ﷺ. فأتى الخلاء. ثم إنه رجع فأتي بطعام. فقيل : يا رسول الله ! ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصل فأتوضأ ".
وأما اشتراط الوضوء للطواف وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة ومس المصحف- عند من أوجبه- فمن أدلة أخر مقررة في فقه الحديث.
الخامسة :( وجوب غسل الوجه ) والغسل إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه، هذا هو المحكي عن أكثر الأئمة. زاد بعضهم : مع الدلك. وعن النفس الزكية : أن مجرد الإمساس يكفي وإن لم يجر. وحد الوجه من منابت شعر الرأس على منتهى الذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. وقد ساق بعض المفسرين هنا مذاهب، فيما يشمله الوجه وما لا يشمله، ومحلها كتب الخلاف.
السادسة :( وجوب غسل اليدين ) :
وهذا مجمع عليه ؛ وأما المرفقان، تثنية مرفق ( كمنبر ومجلس ) موصل الذراع في العضد، فالجمهور على دخولهما في المغسول، وحكي عن زفر وبعض المالكية وأهل الظاهر عدم دخولهما. وسبب الخلاف أن المغيا ب ( إلى ) تارة يتضح دخوله في الغاية، وطورا لا، وآونة يحتمل.
قال الزمخشري :﴿إلى﴾ تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله :﴿فنظرة إلى ميسرة﴾(١٢) لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين، معسرا وموسرا، وكذلك :﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾(١٣) لو دخل الليل لوجب الوصال ؛ / ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى :﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾(١٤) لوقوع العلم بأنه لا يسري به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله ؛ وقوله ﴿إلى المرافق﴾ و ﴿إلى الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط. فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن، فلم يدخلاها. انتهى.
قال الرضي : الأكثر عدم دخول حدي الابتداء والانتهاء في المحدود. فإذا قلت : اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضعان لا يدخلان ظاهرا في الشراء. ويجوز دخولهما فيه مع القرينة ؛ وقال بعضهم : ما بعد ( إلى ) ظاهر الدخول فيما قبلها. فلا تستعمل في غيره إلا مجازا. وقيل : إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو : ثم قيل : بأنها في الآية بمعنى ( مع ) كقوله تعالى(١٥) :﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾. قال الرضي : والتحقيق أنها بمعنى الانتهاء. أي تضيفوها إلى أموالكم، ومضافة إلى المرافق. انتهى.
قال صاحب ( النهاية ) : وقول من لم يدخل المرافق من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة الأثر أبين. لأن في حديث مسلم(١٦) مما رواه أبو هريرة :/ " أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد. ثم اليسرى. ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق. ثم اليسرى كذلك ". واحتج أهل المذهب بحديث جابر :" أنه ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه ". قالوا : ودلالة الآية مجملة. وهذا بيان للمجم
١ - انظر الصفحة رقم ٣١٧ – جزء: ٥..
٢ - [١٦/ النحل/ ٩٨] ﴿... فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾..
٣ - رواه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٥٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٤ - أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٥١- باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ، حديث ١٥٨..
٥ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٢٢٥٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٦ - الأثر رقم ١١٣٢٤..
٧ - أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٥٤- باب الوضوء من غير حدث، حديث ١٦٣..
٨ - أخرجه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٣٢- باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث، حديث ٦٢.
والترمذي في: ١- كتاب الطهارة، ٤٤- باب الوضوء لكل صلاة.
وابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٧٣- باب الوضوء على الطهارة، حديث ٥١٢ (طبعتنا)..
٩ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٦١ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
١٠ - أخرجه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٥٨- باب ما جاء النضح بعد الوضوء، حديث ٤٦٢ (طبعتنا)..
١١ - أخرجه النساي في: ١- كتاب الطهارة، ١٠٠- باب الوضوء لكل صلاة..
١٢ - [٢/ البقرة/ ٢٨٠] ونصها: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأ، تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (٢٨٠)﴾..
١٣ - [٢/ البقة/ ١٨٧] ونصها: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (١٨٧)﴾..
١٤ - [١٧/ الإسراء/ ١] ونصها/: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (١)﴾..
١٥ - [٤ / النساء / ٢]..
١٦ - أخرجه مسلم في: ٢- كتاب الطهارة، حديث ٣٤ (طبعتنا)..
٢ - [١٦/ النحل/ ٩٨] ﴿... فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾..
٣ - رواه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٥٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٤ - أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٥١- باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ، حديث ١٥٨..
٥ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٢٢٥٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٦ - الأثر رقم ١١٣٢٤..
٧ - أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٥٤- باب الوضوء من غير حدث، حديث ١٦٣..
٨ - أخرجه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٣٢- باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث، حديث ٦٢.
والترمذي في: ١- كتاب الطهارة، ٤٤- باب الوضوء لكل صلاة.
وابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٧٣- باب الوضوء على الطهارة، حديث ٥١٢ (طبعتنا)..
٩ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٦١ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
١٠ - أخرجه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٥٨- باب ما جاء النضح بعد الوضوء، حديث ٤٦٢ (طبعتنا)..
١١ - أخرجه النساي في: ١- كتاب الطهارة، ١٠٠- باب الوضوء لكل صلاة..
١٢ - [٢/ البقرة/ ٢٨٠] ونصها: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأ، تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (٢٨٠)﴾..
١٣ - [٢/ البقة/ ١٨٧] ونصها: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (١٨٧)﴾..
١٤ - [١٧/ الإسراء/ ١] ونصها/: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (١)﴾..
١٥ - [٤ / النساء / ٢]..
١٦ - أخرجه مسلم في: ٢- كتاب الطهارة، حديث ٣٤ (طبعتنا)..