مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية، فقوله ﴿أوفوا بالعقود﴾ طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية، فكأنه قيل : إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك، وعهد العبودية منا، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان. فقال تعالى : نعم أنا أوفي أولا بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم، ولذات المنكح، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المراد بقوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ليس نفس القيام، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وأنه باطل بالإجماع. الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعدا أو مضطجعا لكان قد خرج عن العهدة، بل المراد منه : إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه مشهور متعارف، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور. الثاني : قوله تعالى :﴿الرجال قوامون على النساء﴾ وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب، يقال : فلان قائم بذلك الأمر، قال تعالى :﴿قائما بالقسط﴾ وليس المراد منه البتة الانتصاب، بل المراد كونه مريدا لذلك الفعل متهيئا له مستعدا لإدخاله في الوجود، فكذا هاهنا قوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها.
المسألة الثانية : قال قوم : الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، وليس ذلك تكليفا مستقلا بنفسه، واحتجوا بأن قوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ جملة شرطية، الشرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة. وقال آخرون : المقصود من الوضوء الطهارة، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام :«بني الدين على النظافة » وقال :«أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة » ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سببا لغفران الذنوب والله أعلم.
المسألة الثالثة : قال داود : يجب الوضوء لكل صلاة، وقال أكثر الفقهاء : لا يجب. احتج داود بهذه الآية من وجهين : لأول : أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك، فإن قوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إما أن يكون المراد منه قياما واحدا وصلاة واحدة، فيكون المراد منه الخصوص، أو يكون المراد منه العموم، والأول باطل لوجوه : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية، وحمل الآية على الإجمال إخراج لها عن الفائدة، وذلك خلاف الأصل، وثانيها : أنه يصح إدخال الاستثناء عليه، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب العموم، وثالثها : أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد، وإذا بطل هذا وجب حمله على العموم عند كل قيام إلى الصلاة، إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل، فتصير هذه الآية وحدها مجملة، وقد بينا أنه خلاف الأصل، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
الوجه الثاني : أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ، وذلك لأن الصلاة اشتغال بخدمة المعبود، والاشتغال بالخدمة يجب أن يكون مقرونا بأقصى ما يقدر العبد عليه من التعظيم، ومن وجوه التعظيم كونه آتيا بالخدمة حال كونه في غاية النظافة، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف المناسب، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه، فيلزم وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة. ثم قال داود : ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة الشاذة : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه، قال : أما القراءة الشاذة فمردودة قطعا، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن، وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل، وأيضا فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها، فلو كان ذلك قرآنا لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ القرآن بالخبر، وذلك لا يجوز. قال الفقهاء : إن كلمة ﴿إذا﴾ لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت، ثم لو دخلت ثانيا لم تطلق ثانيا، وذلك يدل على أن كلمة ﴿إذا﴾ لا تفيد العموم، وأيضا أن السيد إذ قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة.
واعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم، وأيضا فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة ﴿إذا﴾ في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد. قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمدا فعلت ذلك يا عمر.
أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأيضا فهذا الخبر يدل على أنه ﷺ كان مواظبا على تجديد الوضوء لكل صلاة، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى :﴿فاتبعوه﴾ بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح، فنقول : لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب، والظاهر أن الرسول ﷺ كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها. والثاني : أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحا لقوله عليه الصلاة والسلام :«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد. والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم.
والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببا لوجوب الطهارة عند وجود الماء، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة، وذلك يدل على ما قلناه.
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء، ثم بين أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم، ولو لم يكن شرطا لما صح ذلك. الثاني : أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به، وتارك المأمور به يستحق العقاب، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية.
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : النية شرط لصحة الوضوء والغسل. وقال أبو حنيفة رحمه الله : ليس كذلك.
واعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية.
أما الشافعي رحمه الله فإنه قال : الوضوء مأمور به، وكل مأمور به فإنه يجب أن يكون منويا، فالوضوء يجب أن يكون منويا، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطا لأنه لا قائل بالفرق، وإنما قلنا : إن الوضوء مأمور به لقوله ﴿اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ ولا شك أن قوله ﴿فاغسلوا﴾ ﴿وامسحوا﴾ أمر، وإنما قلنا : إن كل مأمور به أن يكون منويا لقوله تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ واللام في قوله ﴿ليعبدوا﴾ ظاهر للتعليل، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض، فيصير التقدير : وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبرا. وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ فليرجع إليه في طلب زيادة الإتقان، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا، فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منويا أقصى ما في الباب أن قولنا : كل مأمور به يجب أن يكون منويا مخصوص في بعض الصور، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص، والعام حجة في غير محل التخصيص.
وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء، فقال : إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز.
وجوابنا : أنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن.
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : الترتيب شرط لصحة الوضوء، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله : ليس كذلك، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من وجوه : الأول : أن قوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى