فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ( ٦ )﴾
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن السب كما في قوله ﴿وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ لأن القيام متسبب عن الإرادة والإرادة سببه، والمراد بالقيام الاشتغال بها والتلبس بها من قيام أو غيره.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة فقالت طائفة هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وهو مروي عن علي وعكرمة، وهذا القول يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة وهو ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري، قال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة.
وقال طائفة أخرى : إن هذا الأمر خاص بالنبي ﷺ وهو ضعيف، فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم، وقالت طائفة : الأمر للندب طلبا للفضل، وقال آخرون إن الوضوء لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية ثم نسخ في فتح مكة.
وقال جماعة : هذا الأمر خاص بمن كان محدثا، وقال آخرون : المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة فيعم الخطاب كل قائم من نوم، وقد أخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن بريدة قال : كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال : عمدا فعلته يا عمر، وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى(١).
وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بمن مالك يقول : كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة قال : قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث.
فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق، وقد جمع النبي ﷺ يوم الخندق أربع صلوات بوضوء واحد، وفي الباب أحاديث، والتقدير إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، وهذا أحد اختصارات القرآن وهو كثير جدا.
وفروض الوضوء في هذه الآية أربعة : الأول قوله :﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ الوجه في اللغة مأخوذ من الواجهة وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض، فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وفي العرض من الأذن إلى الأذن، وقد رد الدليل بتخليل اللحية، واختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه.
وقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكتفي إمرار الماء والخلاف في ذلك معروف، والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبرا وإلا فلا.
قال في شمس العلوم : غسل الشيء غسلا إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى.
وأما المضمضة والاستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلهما بالسنة الصحيحة، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في مؤلفاته.
وقد ستدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وبقوله : إنما الأعمال بالنيات(٢) لأن الوضوء مأمور به وكل مأمور به يجب أن يكون منويا، ويدل له قوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ والإخلاص عبارة عن النية الصالحة.
واستدل أبو حنيفة بها لعدم وجوب النية لأن الله أوجب غسل الأربعة في هذه الأيام ولم يجب النية فيها فإيجابها زيادة على النص وهي نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس.
والجواب أن إيجابها بدلالة القرآن كما تقدم، والجواب عن الزيادة والنسخ قد ذكرناه في حصول المأمول فليرجع إليه.
والفرض الثاني قوله :﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ إلى للغاية وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف، وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا، ويعزى لأبي العباس، وقيل إنها بمعنى ( مع ) وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل.
وقيل إن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، قال سليمان الجمل وهو الأصح عند النحاة انتهى، وهذه الأقوال دلائلها في كتاب شرح التسهيل.
وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه(٣)، وفيه القاسم وهو متروك وجده عبد الله بن محمد وهو ضعيف، والمرفق بالكسر هو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد.
والفرض الثالث ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ قيل الباء زائدة والمعنى امسحوا رؤوسكم وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس، وقيل هي للتبعيض وذلك يقتضي أن يجزئ مسح بعضه، واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم :﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ ولا يجزئ فيه مسح بعض الوجه اتفاقا، وقيل إنها للإلصاق أي ألصقوا أيديكم برؤوسكم وهو مذهب سيبويه وبه قال الزمخشري لكن في شرح المهذب عن جماعة من أهل العربية أن الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض، أو على غير متعدد كما في ﴿وليطوفوا بالبيت﴾ تكون للإلصاق.
وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا، فكان هذا دليل على المطلوب، غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة.
ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع أعضاء الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو اضرب زيد أو أطعنه أو ارجمه فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب والطعن والرجم على عضو من أعضائه.
ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها : إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس.
فإذا قلت يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين قلت ملتزم لولا البيان من السنة في الوجه والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض.
والفرض الرابع قوله ﴿وأرجلكم﴾ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بنصب الأرجل وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ بن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر، وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين لأنها معطوفة على الوجه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين لأنها معطوفة على الرأس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري وبه تعلق وهو مروي عن ابن عباس.
قال ابن العربي : واتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما عملت من رد ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وقيل إنه منصوب في المعنى عطفا على الأيدي المغسولة، وإنما خفض على الجوار، وهذا إن كان واردا إلا أن التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار من حيث الجملة.
وأيضا فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلا في ضرورة الشعر، وقيل إنها إنما جرت للتنبيه على عدم الإسراف في استعمال الماء فيها لأنها مظنة لصب الماء كبيرا فعطفت على الممسوح والمراد غسلها، وإليه ذهب الزمخشري.
وقيل إنها مجرورة بحرف جر، دل عليه المعنى ويتعلق هذا الحرف بفعل محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلا، قال أبو البقاء وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز، وقيل إنه معطوف على رؤوسكم لفظا ومعنى ثم نسخ ذلك وجوب الغسل وهو حكم باق، وبه قال جماعة أو يحمل مسح الأرجل على بعض الأحوال وهو لبس الخف، ويعزى للشافعي.
قال القرطبي : قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان، قال : وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما افترض الله غسلتين ومسحتين، قال : وذهب ابن جريج الطبري والحسن البصري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس، وقال داود الظاهري يجب الجمع بينهما.
أقول الحق أن الدليل القرآني قد دل على جواز الغسل والمسح لثبوت قراء ة النصب والجر ثبوتا لا ينكر، وقد تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس بل هو معطوف على الوجوه، فلما جاور المجرور إنجر، وتعسف القائلون بالمسح فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار والمجرور في قوله :﴿برؤوسكم﴾ كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور.
وكل ذلك ناشئ عن عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف، ولو وجد أحد القائلين بأحد التأويلين اسما مجرورا في رواية ومنصوبا في أخرى مما يتعلق به الاختلاف ووجد قبله منصوبا لفظا ومجرورا لما شك أن النصب عطف على المنصوب، والجر عطف على المجرور.
وإذا تقرر لك هذا كان الدليل القرآني قاضيا بمشروعية كل واحد منهما على انفراده لا على مشروعية الجمع ينهما. وإن قال به قائل فهو من الضعف بمكان لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة.
أنظر الأعضاء المتقدمة على هذا العضو من أعضاء الوضوء فإن الله سبحانه شرع في الوجه الغسل فقط، وكذلك في اليدين، وشرع في الرأس المسح فقط، ولكن الرسول ﷺ قد بين للأمة أن المفروض عليهم غسل الرجلين لا مسحهما فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه ﷺ وكلها مصرحة بالغسل ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين.
فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح فالواجب الغسل بما وقع منه ﷺ من البيان المستمر جميع عمره.
وإن كان ذلك لا يوجب الإجماع فقد ورد في السنة الأمر بالغسل ورودا ظاهرا وثبت بالأحاديث الصحيحة من فعله ﷺ وقوله غسل الرجلين فقط وثبت عنه أنه قال :" ( ويل للأعقاب من النار وويل للعراقيب من النار ) (٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وأحمد وابن ماجة من حديث عائشة، وابن ماجة أيضا من حديث جابر، والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عمر، وأحمد والبخاري ومسلم أيضا من حديث أبي هريرة.
فأفاد وجوب غسل الرجلين وأنه لا يجزئ مسحهما لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ ولاسيما المواضع الخفية كالأعقاب والعراقيب، فلو كان مجزئا لما قال ويل للأعقاب من النار، ولما وقع منه ﷺ ذلك.
وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه :( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) أخرجه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده والدارقطني من حديث ابن عمرو وأبي هريرة وزيد بن ثابت وبن ماجه من حديث ابن عمرو وأبي بن كعب، وابن السكن من حديث أنس، وابن أبي حاتم من حديث عائشة، وفي جميع ال
١ مسلم/٢٧٧..
٢ البخاري١١ مسلم/١٩٠٧..
٣ الدارقطني١/٨٣..
٤ مسلم٢٤٢ والبخاري١٣٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى