السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿تبت يدا أبي لهب﴾ دعاء عليه، وسبب نزول ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى :﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد صلى الله عليه وسلم الصفا جعل ينادي :" يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش "، حتى اجتمعوا عنده، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال :" أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدّقون " ؟ قالوا : بلى. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب : تبا لك، لهذا دعوتنا جميعاً " فنزلت.
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل ونادى :« " يا صباحاه "، فاجتمعت إليه قريش وذكر نحوه ».
وفي رواية فصعد الصفا فهتف :« " يا صباحاه " فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ فقالوا : محمد، فاجتمعوا إليه، فقال صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ " ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب : تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا. فنزلت ».
وعن أبي زيد أنّ أبا لهب أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :«كما يعطى المسلمون ». فقال : ما لي عليهم فضل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" وأيّ شيء تبتغي ؟ " قال : تباً لهذا من دين، أن أكون وهؤلاء سواء. فنزلت ».
ومعنى تبت قال ابن عباس : خابت. وقال قتادة : خسرت. وقال عطاء : صلت. وقال ابن جبير : هلكت. والتباب الهلاك، ومنه قولهم : أشابة أم تابة، أي : هالكة من الهرم والتعجيز.
والمعنى : هلكت يداه ؛ لأنه -فيما يروى- أخذ حجراً ليرمي به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل : رماه به فأدمى عقبه، فلهذا ذكرت اليد، وإن كان المراد جملة البدن، فهو كقولهم : خسرت يده، وكسبت يده، فأضيفت الأفعال إلى اليد، وذلك على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله وجميعه، أو عبر باليدين ؛ لأنّ الغالب أنّ الأعمال تزاول بهما. وقال يمان بن رباب : صفرت من كل خير. حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان سمع الناس هاتفاً يقول :
وقيل : المراد باليدين دينه ودنياه، أو أولاه وعقباه، أو المراد بأحدهما جرّ المنفعة، وبالأخرى دفع المضرّة، أو لأنّ اليمين سلاح، واليسرى جنة. وأبو لهب هو ابن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزى. فإن قيل : لماذا كني بذلك، ولم يكن له ولد اسمه لهب ؟ وأيضاً فالتكنية من باب التعظيم ؟ أجيب عن الأوّل بأنّ الكنية قد تكون اسماً كما سمي أبو سفيان وأبو طالب ونحو ذلك، فإنّ هؤلاء أسماؤهم كناهم، أو لتلهب وجنتيه، وكان مشرق الوجه أحمره ؟ وأجيب عن الثاني بوجوه :
أحدها : أنه لما كان اسماً خرج عن إفادة التعظيم.
ثانيها : أن اسمه، كان عبد العزى كما مرّ، فعدل عنه إلى كنيته لقبح اسمه ؛ لأنّ الله تعالى لم يضف العبودية في كتابه إلى صنم.
ثالثها : أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديراً بأن يذكر بها، كقولهم : أبو الخير وأبو الشر لصدورهما منه.
أو لأنّ الكنية كانت أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم دون كناهم.
وقال الزمخشري : فإن قلت : لما كناه والكنية تكرمة ؟ ثم ذكر ثلاثة أجوبة : إمّا لشهرته بكنيته، وإمّا لقبح اسمه كما تقدّم، وإمّا لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حالته كنيته اه. وهذا يقتضي أنّ الكنية أشرف من اللقب لا أنقص، وهو عكس قول تقدّم. وقرأ ابن كثير بإسكان الهاء، والباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى نحو : النهْر والنهَر.
وقوله تعالى :﴿وتب﴾ خبر، كما يقال : أهلكه الله وقد هلك، فالأول : أخرج مخرج الدعاء عليه، والثاني : أخرج مخرج الخبر، فحقق به ما أريد من الإسناد إلى اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده. وقيل : المراد ماله وملكه كما يقال : فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال، وبالثاني نفسه.
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل ونادى :« " يا صباحاه "، فاجتمعت إليه قريش وذكر نحوه ».
وفي رواية فصعد الصفا فهتف :« " يا صباحاه " فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ فقالوا : محمد، فاجتمعوا إليه، فقال صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ " ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب : تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا. فنزلت ».
وعن أبي زيد أنّ أبا لهب أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :«كما يعطى المسلمون ». فقال : ما لي عليهم فضل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" وأيّ شيء تبتغي ؟ " قال : تباً لهذا من دين، أن أكون وهؤلاء سواء. فنزلت ».
ومعنى تبت قال ابن عباس : خابت. وقال قتادة : خسرت. وقال عطاء : صلت. وقال ابن جبير : هلكت. والتباب الهلاك، ومنه قولهم : أشابة أم تابة، أي : هالكة من الهرم والتعجيز.
والمعنى : هلكت يداه ؛ لأنه -فيما يروى- أخذ حجراً ليرمي به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل : رماه به فأدمى عقبه، فلهذا ذكرت اليد، وإن كان المراد جملة البدن، فهو كقولهم : خسرت يده، وكسبت يده، فأضيفت الأفعال إلى اليد، وذلك على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله وجميعه، أو عبر باليدين ؛ لأنّ الغالب أنّ الأعمال تزاول بهما. وقال يمان بن رباب : صفرت من كل خير. حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان سمع الناس هاتفاً يقول :
| لقد خلوك وانصرفوا | فما آبوا ولا رجعوا |
| ولم يوافوا نذورهم | فتباً للذي صنعوا |
أحدها : أنه لما كان اسماً خرج عن إفادة التعظيم.
ثانيها : أن اسمه، كان عبد العزى كما مرّ، فعدل عنه إلى كنيته لقبح اسمه ؛ لأنّ الله تعالى لم يضف العبودية في كتابه إلى صنم.
ثالثها : أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديراً بأن يذكر بها، كقولهم : أبو الخير وأبو الشر لصدورهما منه.
أو لأنّ الكنية كانت أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم دون كناهم.
وقال الزمخشري : فإن قلت : لما كناه والكنية تكرمة ؟ ثم ذكر ثلاثة أجوبة : إمّا لشهرته بكنيته، وإمّا لقبح اسمه كما تقدّم، وإمّا لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حالته كنيته اه. وهذا يقتضي أنّ الكنية أشرف من اللقب لا أنقص، وهو عكس قول تقدّم. وقرأ ابن كثير بإسكان الهاء، والباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى نحو : النهْر والنهَر.
وقوله تعالى :﴿وتب﴾ خبر، كما يقال : أهلكه الله وقد هلك، فالأول : أخرج مخرج الدعاء عليه، والثاني : أخرج مخرج الخبر، فحقق به ما أريد من الإسناد إلى اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده. وقيل : المراد ماله وملكه كما يقال : فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال، وبالثاني نفسه.