الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا مكي قال : حدثنا عبد الله بن هاشم قال : حدثنا عبد الله بن نمير قال : حدّثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :" لما أنزل الله سبحانه :﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] أتى رسول الله ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى :" يا صباحاه "، فاجتمع إليه الناس بين رجل يجيء، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ :" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني عدي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذ الجبل يريد أن تغير عليكم صّدقتموني ؟ " قالوا : نعم، قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد "، فقال أبو لهب : تباً لكم سائر هذا اليوم، وما دعوتموني إلا لهذا ؟ فأنزل ﴿تَبَّتْ﴾ " أي خابت وخسرت، ﴿يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ أي تب هو، أخبر عن يديه، والمراد به نفسه، على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كلّه، كقوله سبحانه :﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] و﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] ونحوها، وقيل : اليد صلة، يقول العرب : يد الدّهر، ويد الرزايا والمنايا، قال الشاعر :
لما أكبّت يد الرزاياعليه نادى ألا مجير
وقيل : المراد به ماله وملكه، يقال : فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال.
والتباب الخسار والهلاك، سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت محمد بن مسعود السوري قال : سمعت نفطويه قال : سمعت المنقري، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء قال : لما قتل عثمان رضي الله عنه سمعوا صوت هاتف من الجن يبكي :
لقد خلّوك وانصرفوافما عطفوا ولا رجعوا
ولم يوفوا بنذرهمفتبّاً للذي صنعوا
وأبو لهب هو ابن عبد المطلب، واسمه عبد العزى، فلذلك لم يسمّه، وقيل : اسمه كنيتة، قال : مقاتل كنّي أبا لهب لحسنه وإشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان.
﴿وَتَبَّ﴾ أبو لهب، الواو فيه واو العطف، وقرأ عبد الله وأُبي ( وقد تب )، فالأول دعاء، والثاني كما يقال : غفر الله لك، وقد فعل، وأهلكه الله، وقد فعل، والواو فيه واو الحال.
وقراءة العامة ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء، وقرأ أهل مكة بجزمها، ولم يختلفوا في قوله :﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أنه مفتوح الهاء ؛ لأنهم راعو فيه روس الأي.
أخبرنا الحسين بن محمد قال : حدّثنا السني قال : حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي قال : حدّثنا شريح بن يونس قال : حدّثنا هشيم قال : أخبرنا منصور، عن الحكم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال : لما خلق الله القلم قال : اكتب ما هو كائن، فكتب، فمما كتب :﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن قال : أخبرنا أبو الطيب محمد بن عبد الله بن المبارك الثعيري قال : حدّثنا محمد بن أشرس السلمي قال : حدّثنا عبد الصمد بن حسان المروِّ الروذيّ، عن سفيان، عن منصور قال : سئل الحسن عن قوله :﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ هل كان في أم الكتاب، وهل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار ؟ فقال الحسن : والله ما كان يستطيع أن لا يصليها، وإنها لفي كتاب الله قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه.
ويؤيد هذا ما أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال : أخبرنا جدّي إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدّثنا محمد بن يحيى قال : حدثنا معاوية بن عمرو قال : حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :" احتج آدم وموسى، فقال موسى : يا آدم أنت الذي خلقك الله سبحانه بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم : وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، تلومني على عمل أعمله كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض، قال : فحج آدم موسى ".
وأخبرنا محمد بن الفضل قال : أخبرنا جدي قال : حضر مجلس إسحاق بن إبراهيم، وأنا على نمير الركاب، فقرأ علينا قال : أخبرنا النظر بن شميل قال : حدّثنا حماد بن سلمة، عن عمار ابن أبي عمار مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال :" لقي موسى آدم فقال : أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، فأخرجت ولدك من الجنة، قال له : يا موسى، أنت الذي اصطفاك برسالته وكلّمك، فأنا أقدم أم الذكر ؟ قال : الذكر، فحجّ آدم موسى، فحج آدم موسى ".
وأخبرنا محمد بن الفضل قال : أخبرنا جدّي قال : حدّثنا عبد الله بن محمد الزهري قال : حدّثنا سفيان قال : حدّثنا أبو الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال :" احتج آدم وموسى، فقال موسى : يا آدم، أنت أبونا خيّبتنا، وأخرجتنا من الجنة. قال آدم : ياموسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله تعالى قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى