فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
معنى :﴿تَبَّت﴾ هلكت. وقال مقاتل : خسرت. وقيل : خابت. وقال عطاء : ضلت. وقيل : صفرت من كل خير، وخصّ اليدين بالتباب، لأن أكثر العمل يكون بهما. وقيل : المراد باليدين نفسه، وقد يعبر باليد عن النفس، كما في قوله :﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] أي نفسك. والعرب تعبر كثيراً ببعض الشيء عن كله، كقولهم : أصابته يد الدهر، وأصابته يد المنايا، كما في قول الشاعر :
وأبو لهب : اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، وقوله :﴿وَتَبَّ﴾ أي هلك. قال الفراء : الأوّل دعاء عليه، والثاني خبر، كما تقول : أهلكه الله، وقد هلك. والمعنى : أنه قد وقع ما دعا به عليه، ويؤيده قراءة ابن مسعود :«وقد تبّ ». وقيل : كلاهما إخبار، أراد بالأوّل هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه. وقيل : كلاهما دعاء عليه، ويكون في هذا شبه من مجيء العامّ بعد الخاص، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة، وذكره سبحانه بكنيته لاشتهاره بها، ولكون اسمه كما تقدّم عبد العزى، والعزّى اسم صنم، ولكون في هذه الكنية ما يدلّ على أنه ملابس للنار، لأن اللهب هي لهب النار، وإن كان إطلاق ذلك عليه في الأصل لكونه كان جميلاً، وأن وجهه يتلهب لمزيد حسنه، كما تتلهب النار. قرأ الجمهور :﴿لَهَبٍ﴾ بفتح اللام والهاء. وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير وابن محيصن بإسكان الهاء، واتفقوا على فتح الهاء في قوله :﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾. وروى صاحب الكشاف أنه قرئ :«تبت يدا أبو لهب » وذكر وجه ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال :«لما نزلت :
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] خرج النبيّ ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف :«يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً، قال : فإني نذير لكم بني يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك إنما جمعتنا لهذا ؟ ثم قام فنزلت هذه السورة :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾». وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. قال : خسرت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه. ثم قرأت :﴿مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ قالت : وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قال : كسبه ولده. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ قال : كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبيّ ﷺ ليعقره وأصحابه، وقال :﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نقالة الحديث. ﴿حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ﴾ قال : هي حبال تكون بمكة. ويقال : المسد العصا التي تكون في البكرة. ويقال : المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت :«لما نزلت :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول :
مذمماً أبينا *** ودينه قلينا *** وأمره عصينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال :«يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله ﷺ : إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى :﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ، فقالت : يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال : لا وربّ البيت ما هجاك، فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها». وأخرجه البزار بمعناه، وقال : لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.
| لما أكبت يد الرزايا | عليه نادى ألا مخبر |
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] خرج النبيّ ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف :«يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً، قال : فإني نذير لكم بني يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك إنما جمعتنا لهذا ؟ ثم قام فنزلت هذه السورة :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾». وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. قال : خسرت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه. ثم قرأت :﴿مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ قالت : وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قال : كسبه ولده. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ قال : كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبيّ ﷺ ليعقره وأصحابه، وقال :﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نقالة الحديث. ﴿حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ﴾ قال : هي حبال تكون بمكة. ويقال : المسد العصا التي تكون في البكرة. ويقال : المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت :«لما نزلت :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول :
مذمماً أبينا *** ودينه قلينا *** وأمره عصينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال :«يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله ﷺ : إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى :﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ، فقالت : يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال : لا وربّ البيت ما هجاك، فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها». وأخرجه البزار بمعناه، وقال : لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.