الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي لعباً وباطلاً لا لحكمة، والعبث : العمل لا لغرض، وهو نصب على الحال عن سيبويه وقطرب، مجازه : عابثين، أبو عبيد : على المصدر، بعض نحاة الكوفة : على الظرف أُي بالعبث، بعض نحاة البصرة : للعبث. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾.
قال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه :" يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم فما خُلق امرؤ عبثاً فيلهو ولا أُهمل سُدىً فيلغو ".
وأخبرني محمد بن القاسم بقراءتي عليه قال : حدَّثنا أبو بكر محمد بن محمد بن نصر قال : حدّثنا محمد بن موسى قال : حدّثنا ابن شعيب الحرّاني قال : حدّثنا يحيى بن عبد الله ابن الضحاك قال : سمعت الأوزاعي يقول : بلغني أنّ في السماء ملكاً ينادي كل يوم : ألا ليت الخلق لم يخلقوا، وياليتهم إذ خُلقوا عرفوا ما خُلقوا له وجلسوا فذكروا ما عملُوا.

فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق


قال المحقّقون : خلق الله سبحانه الخلق ليدلّ بذلك على وجوده وكمال علمه وقدرته، إذ لو لم يخلق لم يكن لوجوده معنى.
وأخبرني محمد بن القاسم قال : حدَّثنا محمد بن يزيد قال : حدَّثنا الحسن بن سفيان قال : حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدَّثنا ابن عُليّة عن منصور بن عبد الرَّحْمن قال : قلت للحسن البصري في قوله سبحانه
﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨-١١٩].
قال : الناس مختلفون على أديان شتّى إلاّ من رحم ربك، ومن رحم ربك غير مختلف.
فقيل له : ولذلك خلقهم ؟.
قال : نعم، خلق هؤلاء لجنّته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته وخلق هؤلاء لعذابه.
وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه قال : أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى الفقيه قال : حدَّثنا أبي قال : حدَّثنا محمد بن خالد البرقي عن أبيه عن أحمد بن نصر قال : سئل جعفر بن محمد : لمَ خَلقَ الله الخلق ؟
قال : لأنّ الله سبحانه كان محسناً بما لم يزل فيما لم يزل، إلى ما لم يزل فأراد سبحانه وتعالى أن يفوّض إحسانه إلى خلقه وكان غنيّاً عنهم، لم يخلقهم لجرّ منفعة، ولا لدفع مضّرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتّى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأهُ بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار.
وقال محمد بن علي الترمذي : إنَّ الله سبحانه خلق الخلق عبيداً ليعبدوه فيثيبهم على العبودية ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم عبيد أحرار كرام، وغداً أحرار وملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُبّاق سفلة لئام، وغداً أعداء في السجون بين أطباق النيران.
ومنهم من قال : خلق الله سبحانه الخلق كلّهم لأجل محمد ﷺ يدللّ عليه ما حدَّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الرومي قال : حدَّثنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال : حدّثنا هارون بن العباس الهاشمي قال : حدَّثنا محمد بن ياسين بن شريك قال : حدَّثنا جندل قال : حدّثنا عمرو بن أوس الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيّب عن ابن عباس قال :" أوحى الله سبحانه إلى عيسى ( عليه السلام ) : يا عيسى آمن بمحمد ومُر أُمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ﷺ فسكن ".
وسمعت محمد بن القاسم الفارسي قال : سمعت محمد بن الحسن بن بهرام الفارسي يقول : سمعت القنّاد يقول : خلق الله سبحانه الملائكة للقدرة، وخلق الاشياء للعبرة، وخلقك للمحبة له، ومن العلماء مَن لم يصرّح القول بذلك ولكنه قال : نبّه الله سبحانه في غير موضع من كتبه المنزلة أنّه خلقهم لخطر عظيم مغيّب عنهم لا يجلّيه حتى يحلّ بهم ما خلقهم له، وهذا معنى قوله سبحانه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال : حدَّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدَّثنا داود بن رشيد، وأخبرني محمد بن القاسم قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن مريس قال : حدَّثنا الحسن بن سفيان قال : حدَّثنا هشام ابن عمار قال : حدَّثنا الوليد بن مسلم قال : حدَّثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن حنش ابن عبد الله الصنعاني " عن عبد الله بن مسعود أنّه مرَّ بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ حتى ختم السورة فبرئ، فقال له رسول الله ﷺ " ماذا قرأت في أُذنه ؟ " فأخبره فقال :" والذي نفسي بيده لو أنَّ رجلا موقناً قرأها على جبل لزال " ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى