غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
قوله ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ قد مر في " النحل ". ولعل القصد بالأنعام ههنا. الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولأنه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر. وإنما قال في هذه السورة. ﴿فواكه كثيرة﴾ بالجمع بخلاف ما في " الزخرف " لتناسب قوله هنا ﴿منافع كثيرة﴾ لتناسب قوله ﴿جنات﴾ كما قال هنالك
﴿فاكهة﴾ [الرحمن: ١١] على التوحيد لتناسب قوله ﴿تلك الجنة﴾ [مريم: ٦٣] وإنما قال هنا في الموضعين ﴿ومنها تأكلون﴾ بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الآية : منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم. وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه. الخشوع في الظاهر انتكاس الرأس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين. والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال. واللغو كل ما يشغلك عن الله. والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه رأس خطيئة ﴿إلا على أزواجهم﴾ في كلمة " على " دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال ﴿لأمانتهم﴾ يعني التي حملها الإنسان ﴿وعهدهم﴾ هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ﴿من سلالة﴾ لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين. بل بحسب اختلاف المركبات من الطين. ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ لأنه خلق أحسن المخلوقين. أما من حيث الصورة فلأنه تعالى خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح. وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ إلى قوله ﴿تبعثون﴾ فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما. وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره. وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الآتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة ﴿وما كنا عن﴾ مصالح ﴿الخلق غافلين﴾ فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله ﴿وأنزلنا من السماء﴾ سماء العناية ﴿ماء﴾ الرحمة ﴿بقدر﴾ استعداد السالك ﴿فأسكناه﴾ في أرض وجوده ﴿فأنشأنا لكم به جنات من نخيل﴾ المعارف ﴿وأعناب﴾ الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات ﴿تنبت﴾ بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح. ﴿وصبغ﴾ لآكل الكونين بقوة الهمة. ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال ﴿وعليها وعلى﴾ ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله ﴿تحملونه﴾ وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى