التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك :﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ﴾ والغرض من هذا التأكيد، تحريض المؤمنين على التأسى بالسابقين فى قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم.
أى : لقد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة، وقدوة طيبة، فى أبيكم إبراهيم - عليه السلام - وفيمن آمن به، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء الله - تعالى - ورضاه، ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب.
وجىء بلام القسم فى قوله :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ...﴾ على سبيل المبالغة فى التأكيد بوجوب التأسى بإبراهيم، وبمن آمن معه.
وجملة :﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ بدل من قوله ﴿لَكُمْ﴾ بدل اشتمال.
وفائدة هذا البدل : الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يترك الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - وبمن آمن معه، وأن ترك ذلك من علامات عدم الإيمان الحق.
كما ينبىء عنه التحذير فى قوله - تعالى - بعد ذلك :﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾أي : ومن يعرض عن هذا التأسى، فوبال إعراضه عليه وحده، فإن الله - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه، الحميد لمن يمتثل أمره.
والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، من أول السورة إلى هنا، يجد أن الله - تعالى - لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه، إلا أظهرها وكشف عنها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى