جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنّ أُوْلََئِكَ أَنّهُمْ مّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ﴾.يقول تعالى ذكره : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم في أسفلها للذين يُطَفّفون، يعني : للذين ينقصون الناس، ويَبْخَسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء وأصل ذلك من الشيء الطفيف، وهو القليل النّزْر، والمطفّف : المقلّل حقّ صاحب الحقّ عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء في حسبة أو عدد : هم سواء كطَفّ الصاع، يعني بذلك : كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن ضِرار، عن عبد الله، قال : قال له رجل : يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة لَيوفون الكيل، قال : وما يمنعهم من أن يوفوا الكيل، وقد قال الله : وَيْلٌ للْمُطَفّفِينَ حتى بلغ : يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ الْعالَمِينَ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : لما قَدم النبيّ ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله : وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ فأحسنوا الكيل.
حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال : حدثنا سلم بن قتيبة، عن قسام الصيرفي، عن عكرِمة قال : أشهد أن كلّ كيال ووزّان في النار، فقيل له في ذلك، فقال : إنه ليس منهم أحد يزن كما يتزن، ولا يكيل كما يكتال، وقد قال الله : وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ.