البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وسمه : جعل له سمة، وهي العلامة تدل على شيء. قال جرير :
لما وضعت على الفرزدق ميسميوعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
الخرطوم : الأنف، والخرطوم من صفات الخمر، قال الشاعر :
قد أشهد الشرب فيهم مزهر زنموالقوم تصرعهم صهباء خرطوم
قال الشمنتري : الخرطوم أول خروجها من الدّن، ويقال لها الأنف أيضاً، وذلك أصفى لها وأرق. وقال النضر بن شميل : الخرطوم : الخمر، وأنشد للأعرج المغني :
تظل يومك في لهو وفي لعبوأنت بالليل شراب الخراطيم
ولما ذكر قبائح أفعاله وأقواله، ذكر ما يفعل به على سبيل التوعد فقال :﴿سنسمه على الخرطوم﴾، والسمة : العلامة.
ولما كان الوجه أشرف ما في الإنسان، والأنف أكرم ما في الوجه لتقدمه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة وقالوا : حميّ الأنف شامخ العرنين.
وقالوا في الذليل : جدع أنفه، ورغم أنفه.
وكان أيضاً مما تظهر السمات فيه لعلو،
قال :﴿سنسمه على الخرطوم﴾، وهو غاية الإذلال والإهانة والاستبلاد، إذ صار كالبهيمة لا يملك الدفع عن وسمه في الأنف، وإذا كان الوسم في الوجه شيناً، فكيف به على أكرم عضو فيه ؟ وقد قيل : الجمال في الأنف، وقال بعض الأدباء :
وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطلفكيف إذا ما الخال كان له حليا
وسنسمه فعل مستقبل لم يتعين زمانه.
وقال ابن عباس : هو الضرب بالسيف، أي يضرب به وجهه وعلى أنفه، فيجيء ذلك كالوسم على الانف، وحل به ذلك يوم بدر.
وقال المبرد : ذلك في عذاب الآخرة في جهنم، وهو تعذيب بنار على أنوفهم.
وقال آخرون : ذلك يوم القيامة، أي نوسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره.
وقال قتادة وغيره : معناه سنفعل به في الدنيا من الذم والمقت والاشتهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به، فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيناً، كما تقول : سأطوقك طوق الحمامة : أي أثبت لك الأمر بيناً فيك، ونحو هذا أراد جرير بقوله :
لما وضعت على الفرزدق ميسمي. . .
وفي الوسم على الأنف تشويه، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جدّاً.
قال ابن عطية : وإذا تأملت حال أبي جهل ونظرائه، وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأخروية، رأيت أنهم قد وسموا على الخراطيم. انتهى.
وقال أبو العالية ومقاتل، واختاره الفراء : يسود وجهه قبل دخول النار، وذكر الخرطوم، والمراد الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض.
وقال أبو عبد الله الرازي : إنما بالغ الكافر في عداوة الرسول ﷺ بسبب الأنفة والحمية، فلما كان شاهد الإنكار هو الأنفة والحمية، عبر عن هذا الاختصاص بقوله :﴿سنسمه على الخرطوم﴾.
انتهى كلامه.
وفي استعارة الخرطوم مكان الأنف استهانة واستخفاف، لأن حقيقة الخرطوم هو للسباع.
وتلخص من هذا أن قوله :﴿سنسمه على الخرطوم﴾، أهو حقيقة أم مجاز ؟ وإذا كان حقيقة، فهل ذلك في الدنيا أو في الآخرة ؟ وأبعد النضر بن شميل في تفسيره الخرطوم بالخمر، وأن معناه سنحده على شربها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى