كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ؛ أي قالَتْ إحداهُما وهي التي تزوَّجَها موسى : يا أبَتِ اتَّخِذْهُ أجيراً يرعَى لنا غنمَنا، فإنَّ خيرَ منِ استأجرتَ الذي يقوَى على العملِ، ويؤدِّي الأمانةَ.
فقال لَها أبُوهَا : وما عِلْمُكِ بقوَّتهِ وأمانتهِ ؟ فقالت : أمَّا قوَّتهُ فإنه لَمَّا رأى أغنامَنا محبوسةً عن الماءِ، قال لنا : هل بقُربكُما بئرٌ ؟ قلنا : نَعَمْ ؛ لكن عليها صخرةٌ عظيمة لا يرفَعُها إلاّ أربعونَ رجُلاً، قال : انطَلِقا بي إليها، فانطلَقا به إليها، فأخذ الصخرةَ بيدهِ ونَحَّاهَا سَهْلاً من غيرِ كُلْفَةٍ. وأمَّا أمانتهُ فإنه قال لِي في بعضِ الطَّريق : إمْشِ خلفِي، فإنْ أخطأتُ الطريقَ فارْمِ قِبَلِي بحصاةٍ حتى أنْهَجَ نَهْجاً، فإنَّّا قومٌ لا ننظرُ إلى وراءِ النِّساء. ولِهذا المعنى قال عمرُ رضي الله عنه :(لاَ يَصْلُحُ لأُمُور الْمُسْلِمِيْنَ إلاَّ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَالرَّقِيْقُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ).
قال فلمَّا ذكرَتِ المرأةُ من حالِ موسى ازدادَ أبُوهَا رغبةً فيهِ و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ؛ أي على أن تَرْعَى غنَمِي، ويكون فيها أجْراً إلى ثَمان سِنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ ؛ فهو بفَضْلٍ منكَ ليس بواجبٍ عليكَ، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ في العشرِ، ولا أكلفَّكَ إلاّ العملَ المشروط، والمرادُ بالحِجَجِ السِّنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ مِمن وافَقَ فِعْلَهُ. وَقِيْلَ : ستجدُنِي إن شاءَ اللهُ من الوَافِيْنَ بالعهدِ، الْمُحسِنينَ الصُّحبةَ.
فـ ﴿قَال﴾ مُوسَى لشعيب :﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ؛ يعني الذي وصفتَ وشَرَطْتَ على ذلك، وما شرطتَ لِي مِن تزويجِ إحداهما عَلَيَّ فلي، والأمر بيننا. وثم السلام. ثُم قال :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾ ؛ أيُّ الأجلَين من الثَّمانِ أو العَشْرِ، ﴿قَضَيْتُ﴾ ؛ أي أتْمَمْتَ وفَرَغْتَ، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ ؛ أي لا ظُلْمَ ولا حرجَ ولا كُلفَةَ. قال الفرَّاء :(مَا) صِلَةٌ فِي قَوْلِهِ :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾.
وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي شهيدٌ على ما عَقَدَ بعضُنا على بعضٍ. قال ابنُ عبَّاس :(وَاللهُ شَهِيْدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ).
وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقَالَ :" أوْفَاهُمَا وَأبْطَئُهُمَا " وعن أبي ذرٍّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإذا سُئِلْتَ عَنْ أيِّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقُلْ : خَيْرُهُمَا أوْ أبَرُّهُمَا، وَإنْ سُئِلْتَ أيُّ الْمَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَالَّتِي جَاءَتْ فَقَالَتْ : يَا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى