أحكام القرآن — ابن العربي
عن الكتاب
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ :﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾
الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إنْ وَفَّيْت أَحَدَ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَصَّرَ فِي الْعَامَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي الثَّمَانِي لَكَانَ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، وَهُوَ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ.
وَكَيْفِيَّةُ الْعُدْوَانِ نُبَيِّنُهُ بِأَنْ نَقُولَ : اخْتَلَفَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا يُتِمُّهُ فَلَهُ من الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُقَاطَعَةً، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ بِالنَّقْدِ فَيَنْقُدَهُ، وَيَلْزَمَهُ تَمَامُهُ. وَأَكْثَرُ بِنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ، إذَا سَمَّى لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْجَرْتُك عَلَى بُنْيَانِ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَقَالَ : تَبْنِي هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ، فَكُلَّمَا بَنَى أَخَذَ، أَوْ تَبْنِي هَذَا الْبَابَ، أَوْ هَذَا الْحَائِطَ، فَهُوَ مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ كَانَتْ إجَارَةُ مُوسَى مُقَاطَعَةً، فَلَهَا حُكْمُ الْمُقَاطَعَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَأْتِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ.
تَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ إمَّا يَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يَضْبِطُ ؛ فَإِنْ كَانَ بِالزَّمَانِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ، لَازِمٌ فِي مُدَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُضْبَطُ بِصِفَتِهِ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ تَمَامُ الْمُدَّةِ، أَوْ تَمَامُ الصِّفَةِ. وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا من الْأُجْرَةِ - إذَا كَانَ هَكَذَا - إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى :﴿وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
اكْتَفَى الصَّالِحَانِ بِاَللَّهِ فِي الْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا من الْخَلْقِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ يَنْعَقِدُ دُونَ شُهُودٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعْلَانُ وَالتَّصْرِيحُ.
وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ ؛ وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِعْلَانَ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ :( فَرْقُ مَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الدُّفُّ ).
وَرُبَّمَا نَزَعَ نَازِعٌ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ لَازِمٌ وَاجِبٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّفَّاءُ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا آدَم، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إنَّ رَجُلًا من بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ! قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ : صَدَقْت. فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَالْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهُ، لِئَلَّا يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت من فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا، فَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ بِاَلَّذِي لَهُ، فَلَمْ أَقْدِرْ ؛ وَإِنِّي قَدْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا. وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، وَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا زِلْت أَجْهَدُ فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَك بِمَالِك، فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ. قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ بِشَيْءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأَخْبَرْتُك، أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُك فِيهِ. قَالَ : بَلَى، وَاَللَّهِ، قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْك الَّذِي بَعَثْت بِهِ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا ).
الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إنْ وَفَّيْت أَحَدَ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَصَّرَ فِي الْعَامَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي الثَّمَانِي لَكَانَ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، وَهُوَ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ.
وَكَيْفِيَّةُ الْعُدْوَانِ نُبَيِّنُهُ بِأَنْ نَقُولَ : اخْتَلَفَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا يُتِمُّهُ فَلَهُ من الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُقَاطَعَةً، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ بِالنَّقْدِ فَيَنْقُدَهُ، وَيَلْزَمَهُ تَمَامُهُ. وَأَكْثَرُ بِنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ، إذَا سَمَّى لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْجَرْتُك عَلَى بُنْيَانِ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَقَالَ : تَبْنِي هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ، فَكُلَّمَا بَنَى أَخَذَ، أَوْ تَبْنِي هَذَا الْبَابَ، أَوْ هَذَا الْحَائِطَ، فَهُوَ مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ كَانَتْ إجَارَةُ مُوسَى مُقَاطَعَةً، فَلَهَا حُكْمُ الْمُقَاطَعَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَأْتِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ.
تَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ إمَّا يَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يَضْبِطُ ؛ فَإِنْ كَانَ بِالزَّمَانِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ، لَازِمٌ فِي مُدَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُضْبَطُ بِصِفَتِهِ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ تَمَامُ الْمُدَّةِ، أَوْ تَمَامُ الصِّفَةِ. وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا من الْأُجْرَةِ - إذَا كَانَ هَكَذَا - إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى :﴿وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
اكْتَفَى الصَّالِحَانِ بِاَللَّهِ فِي الْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا من الْخَلْقِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ يَنْعَقِدُ دُونَ شُهُودٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعْلَانُ وَالتَّصْرِيحُ.
وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ ؛ وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِعْلَانَ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ :( فَرْقُ مَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الدُّفُّ ).
وَرُبَّمَا نَزَعَ نَازِعٌ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ لَازِمٌ وَاجِبٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّفَّاءُ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا آدَم، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إنَّ رَجُلًا من بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ! قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ : صَدَقْت. فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَالْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهُ، لِئَلَّا يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت من فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا، فَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ بِاَلَّذِي لَهُ، فَلَمْ أَقْدِرْ ؛ وَإِنِّي قَدْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا. وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، وَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا زِلْت أَجْهَدُ فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَك بِمَالِك، فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ. قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ بِشَيْءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأَخْبَرْتُك، أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُك فِيهِ. قَالَ : بَلَى، وَاَللَّهِ، قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْك الَّذِي بَعَثْت بِهِ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا ).