جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ * إِنّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.


يقول تعالى ذكره : لو نشاء جعلنا ذلك الزرع الذي زرعناه حُطاما، يعني هشيما لا يُنتفع به في مطعم وغذاء.
وقوله : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : فظلتم تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم من المصيبة باحتراقه وهلاكه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال : تعجبون.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال : تعجبون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال : تعجبون.
وقال آخرون : معنى ذلك : فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم جلّ ثناؤه، حتى نالكم بما نالكم من إهلاك زرعكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، في قوله : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ يقول : تلاومون.
قال : ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب البكري، عن عكرِمة فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال : تلاومون.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظلتم تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجب لكم عقوبته، حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : ثني ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن فَظَلْتُمْ تَتَفكّهُونَ قال : تندمون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال تندمون.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظلتم تعجبون. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ قال : تعجبون حين صنع بحرثكم ما صنع به، وقرأ قول الله عزّ وجلّ إنّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُمونَ وقرأ قول الله : وَإَذَا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ انْقَلَبُوا فَكِهِين قال : هؤلاء ناعمين، وقرأ قول الله جل ثناؤه : فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ. . . إلى قوله : كانُوا فِيها فاكِهِينَ.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى فَظَلْتُم : فأقمتم تعجبون مما نزل بزرعكم وأصله من التفكه بالحديث إذا حدّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يعجب منه، ويلهى به، فكذلك ذلك. وكأن معنى الكلام : فأقمتم تتعجبون يُعَجّب بعضكم بعضا مما نزل بكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى