جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهََذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مّبِينٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون جهلاً منهم : إنما يعلّم محمدا هذا الذي يتلوه بشر من بني آدم، وما هو من عند الله. يقول الله تعالى ذكره مكذّبهم في قيلهم ذلك : ألا تعلمون كذب ما تقولون ؟ إن لسان الذين تلحدون إليه، يقول : تميلون إليه. بأنه يعلم محمدا، أعجميّ. وذلك أنهم فيما ذُكر كانوا يزعمون أن الذي يعلّم محمدا هذا القرآن عبد روميّ، فلذلك قال تعالى :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهذَا لِسانٌ عَرَبيّ مُبِينٌ﴾، يقول : وهذا القرآن لسان عربيّ مبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في اسم الذي كان المشركون يزعمون أنه يعلّم محمدا ﷺ هذا القرآن من البشر، فقال بعضهم : كان اسمه بَلْعام، وكان قَيْنا بمكة نصرانيّا. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن محمد الطّوسِيّ، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن مسلم بن عبد الله المَلائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله ﷺ يعلّم قينا بمكة، وكان أعجميّ اللسان، وكان اسمه بَلْعام، فكان المشركون يَرَوْن رسول الله ﷺ حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا : إنما يعلّمه بَلْعام فأنزل الله تعالى ذكره :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُمْ يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
وقال آخرون : اسمه يعيش. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن عكرمة، قال : كان النبيّ ﷺ يقرئ غلاما لبني المغيرة أعجميّا قال سفيان : أراه يقال له : يَعِيش قال : فذلك قوله :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾، وقد قالت قريش : إنما يعلمه بشر، عبد لبني الحَضْرميّ يقال ل : ه يعيش، قال الله تعالى :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾ وكان يعيش يقرأ الكُتُب.
وقال آخرون : بل كان اسمهَ جْبر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان رسول الله ﷺ فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المَرْوَة إلى غلام نصراني يقال له : جَبْر، عبد لبني بياضةَ الحَضَرِميّ، فكانوا يقولون : والله ما يعلّم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جَبْرٌ النصرانيّ غلام الحضرميّ فأنزل الله تعالى في قولهم :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عبد الله بن كثير : كانوا يقولون : إنما يعلمه نصرانيّ على المَرْوة، ويعلم محمدا رُوميّ، يقولون : اسمه جَبْر وكان صاحب كُتُب عبد لابن الحضرميّ، قال الله تعالى :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ﴾ قال : وهذا قول قريش إنما يعلمه بشر، قال الله تعالى :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
وقال آخرون : بل كانا غلامين اسم أحدهما يسار والآخر جَبْر. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن حُصَين، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ : أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يُقال لأحدهما يسار والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله ﷺ ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش : إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا معن بن أسد، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ، نحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم، قال : كان لنا غلامان فكان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبيّ ﷺ يمرّ عليهما، فيقوم يستمع منهما، فقال المشركون : يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى ما كذّبهم به، فقال :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
وقال آخرون : بل كان ذلك سَلْمان الفارسي. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ﴾ كانوا يقولون : إنما يعلّمه سَلْمان الفارسي.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾ قال : قول كفار قريش : إنما يعلّم محمدا عبدُ ابن الحضرمي، وهو صاحب كتاب، يقول الله :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾.
وقيل : إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله ﷺ ارتدّ عن الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني سعيد بن المسيب : أن الذي ذكر الله إنما يعلمه بشر إنما افتتن إنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله ﷺ :«سميع عليم »، أو «عزيز حكيم »، وغير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله ﷺ وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله ﷺ، فيقول : أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم ؟ فيقول : رسول الله ﷺ :«أيّ ذلك كتبت فهو كذلك ». ففتنه ذلك، فقال : إن محمدا يكل ذلك إليّ، فأكتب ما شئت. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة.
واختلف القرّاء في قراءة قوله :﴿يُلْحِدُونَ﴾ فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة :﴿لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْه﴾، بضم الياء، من ألحد يلحد إلحادا، بمعنى : يعترضون ويعدلون إليه ويعرجون إليه، من قول الشاعر :
قَدْنِيَ منْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِيلَيْسَ أميرِي بالشّحيحِ المُلْحِدِ
وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة :«لِسانُ الّذِي يَلْحِدُونَ إلَيْهِ » بفتح الياء، يعني : يميلون إليه، من لَحَدَ فلان إلى هذا الأمر يَلْحِدُ لَحدا ولُحودا. وهما عندي لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيهما الصواب. وقيل :﴿وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ﴾، يعني : القرآن كما تقول العرب لقصيدة من الشعر يعرضها الشاعر : هذا لسان فلان، تريد قصيدته كما قال الشاعر :
لِسانُ السّوءِ تُهْدِيها إلَيْناوحِنْتَ وَما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينا
يعني باللسان : القصيدة والكلمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى