تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت : أن محمدًا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، فربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يَرُد جواب الخطاب فيما لا بد منه ؛ فلهذا قال الله تعالى رادًا عليهم في افترائهم ذلك :﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، يعني : القرآن، أي : فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فَصَاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، التي هي أكمل من(١) معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي ؟ ! لا يقول هذا من له أدنى مُسْكة(٢) من العقل.
قال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة : كان رسول الله ﷺ - فيما بلغني - كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مَبيعة غلام نصراني يقال له : جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، [ فكانوا يقولون : والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الحضرمي ](٣) فأنزل الله :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾(٤)
وكذا قال عبد الله بن كثير : وعن عِكْرِمة وقتادة : كان اسمه : يعيش.
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ﷺ يعلم قَينًا بمكة، وكان اسمه بلغام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، قالوا : إنما يعلمه بلغام، فأنزل الله هذه الآية :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾(٥).
وقال الضحاك بن مزاحم : هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف ؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وقال عبيد الله(٦) بن مسلم : كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبي ﷺ يمر بهما(٧)، فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون : يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية.
وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب : الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة، قبحه الله !.
١ في ت: "هي من أكمل"..
٢ في ت: "مسلة"..
٣ زيادة من ت، ف، أ، وابن هشام..
٤ انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٩٣)..
٥ تفسير الطبري (١٤/ ١١٩)..
٦ في ت، ف: "عبد الله"..
٧ في أ: "عليهما"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى