التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم.
والأساطير : جمع أسطورة، كأعاجيب وأعجوبة، وأحاديث وأحدوثة.
والمراد بها : الأكاذيب والترهات التى لا أصل لها، والتى كانت مبثوثة فى كتب الأولين.
والمعنى : وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شئ أنزل ربكم على نبيه محمد ﷺ.
قالوا له على سبيل الجحود للحق : لم ينزل عليه شئ، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه محمد ﷺ على أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه.
روى ابن أبى حاتم عن السدى قال : " اجتمعت قريش فقالوا : إن محمدا ﷺ رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظرو أناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاءه يريده ردوه عنه.
فخرج ناس فى كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد ﷺ ووصل إليهم، قال أحدهم : أنا فلان بن فلان، فيعرفه بنسبه، ثم يقول للوافد : أنا أخبرك عن محمد ﷺ إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له، فيرجع الوافد. فذلك قوله - تعالى - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾.
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال : بئس الوافد لقوم أنا، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم - من مكة - رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتى قومى ببيان أمره. فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم : ماذا يقول محمد ﷺ ؟ فيقولون خيرا.. ".
وعبر - سبحانه - بالفعل ﴿قيل﴾ المبنى للمجهول، للإِشارة إلى أن هذا القول الذى تفوه به عتاة الكافرين، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم، لكى يصدوه عن الدخول فى الإِسلام. وجملة ﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ نائب فاعل لقيل.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ﴿أساطير الأولين﴾ خبر لمبتدأ محذوف.
أى : قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه : أساطير الأولين.
ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا، ورد عليه بما يدحضه فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى - :﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى