أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ﴾.
أي الاستسلام والخضوع. والمعنى : أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق. وذلك عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة. يعني أنهم في الدنيا يشاقون الرسل : أي يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم : أي خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك.
ومما يدل من القرآن على أن المراد بإلقاء السلم : الخضوع والاستسلام قوله :﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ [النساء: ٩٤] على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام ؛ بمعنى الانقياد والإذغان. وقوله :﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله :﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١] الآية.
والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين : الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا ؛ لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق عليه من ترك السوء. وقوله :﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة. كقوله :﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] الآية، وقوله :﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] الآية، وقوله :﴿الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ ٢٨ ].
يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وقالوا : ما كنا نعمل من سوء. فقوله ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء﴾ معمول قول محذوف بلا خلاف.
والمعنى : أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي. وقد بين الله كذبهم بقوله :﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وبين في مواضع أخر : أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا. وبين كذبهم في ذلك أيضاً ؛ كقوله :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣-٢٤]، وقوله :﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٧٤] ؛ وقوله :﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]، وقوله :﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حراماً محرماً أن تمسونا بسوء ؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله هنا «بلى » تكذيب لهم في قولهم ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾.
تنبيه
لفظة «بلى » لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما :
الأول أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة «لا » ؛ لأن «لا » لنفي الإثبات، و«بلى » لنفي النفي ؛ كقوله هنا :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ فهذا النفي نفته لفظة «بلى » أي كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي ؛ وكقوله :﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكقوله :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقوله :﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.
الثاني أن تكون جواباً لاستفهام مقترن بنفي خاصة ؛ كقوله :﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله :﴿أَوَلَيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى﴾ [يس: ٨١]، وقوله :﴿قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَى﴾[غافر: ٥٠]، وهذا أيضاً كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه ب «نعم » لا ب «بلى » وجواب الاستفهام المقترن بنفي و«نعم » مسموع غير قياسي. كقوله :
أليس الليل يجمع أم عمرووإيانا فذاك لنا تداني
نعم، وترى الهلال كما أراهوبعلوها النهار كما علاني
فالمحل ل«بلى » لا ل«نعم » في هذا البيت.
فإن قيل : هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، ونحو ذلك. مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثاً في قوله :
﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤٢].
فالجواب هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم : والله ربنا ما كنا مشركين ؛ فيختم الله على أفواههم ؛ وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون. فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة. وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى