البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
و﴿ظالمي أنفسهم﴾ : حال من ضمير المفعول في :" تتوفاهم ".
ثم وصفهم بقوله :﴿الذين تتوفاهم الملائكةُ﴾ ؛ تقبض أرواحهم ﴿ظالمي أنفسِهِم﴾ ؛ بأن عرضوها للعذاب المخلد، ﴿فألقَوُا السَّلَمَ﴾ أي : استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين :﴿ما كنا نعملُ من سُوء﴾ : من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب ؛ اعتصامًا به، كقولهم :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعَام: ٢٣]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن : هي مواطن، فمرة يُقرون على أنفسهم، كما قال تعالى :﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعَام: ١٣٠]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم :﴿بلى﴾ قد كنتم تعملون السوء والعدوان، ﴿إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾ فهو يجازيكم عليه. وقيل : إن قوله :﴿فألقَوُا السَّلَمَ﴾ إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عزّ وجلّ :﴿أين شركائي الذين كنتم تُشاقون فيهم﴾ إلخ، فيكون الرَّادُ عليهم بقوله :( بلى )، هو الله تعالى، أو : أولو العلم، ويُقوي هذا قوله بعده :﴿فادخلوا أبواب جهنم﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار : ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم ؛ من المواهب وأسرار الخصوصية ؟ قالوا : أساطير الأولين، ثم عَوَّقُوا الناس عن الدخول في طريقهم ؛ لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ؛ حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلاً وعنادًا وحسدًا، ألا ساء ما يزرون.
قلت : الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف : علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء ؛ لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك ؛ فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك، فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم ؛ قال تعالى :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم :﴿بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى