مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال :﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ قرأ حمزة :﴿يتوفاهم الملائكة﴾ بالياء لأن الملائكة ذكور، والباقون بالتاء للفظ.
ثم قال :﴿فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء﴾ وفيه قولان :
القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت، قال ابن عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت. وقوله :﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ أي قالوا ما كنا نعمل من سوء ! والمراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك، ومعنى بلى ردا لقولهم :﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت.
والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله :﴿ظالمي أنفسهم﴾ ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم ههنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا : هذا القول منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال ( بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون )، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم وتكذيبا لهم، ومعنى بلى الرد لقولهم :﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ وقوله :﴿إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾ يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب. فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى