المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «ينزّل » بالياء وشد الزاي، ورجحها الطبري لما فيها من التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي مكسورة وسكون النون، وقرأ ابن أبي عبلة بالنون التي للعظمة وشد الزاي، وقرأ قتادة بالنون وتخفيف الزاي وسكون النون، وفي هذه والتي قبلها شذوذ كثير(١)، وقرأ أبو عمرو عن عاصم «تُنزَّل الملائكةُ » بضم التاء وفتح النون والزاي وشدها ورفع «الملائكة » على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجحدري بالتاء مضمومة وسكون النون وفتح الزاي، وقرأ الحسن وأبو العالية وعاصم الجحدري والأعرج بفتح التاء ورفع «الملائكةُ » على أنها فاعلة، ورواها المفضل عن عاصم، و ﴿الملائكة﴾ هنا جبريل : واختلف المتأولون في ﴿الروح﴾ فقال مجاهد، ﴿الروح﴾ النبوة، وقال ابن عباس : الوحي، وقال قتادة : بالرحمة والوحي، وقال الربيع بن أنس : كلا كلام الله روح، ومنه قوله تعالى ﴿أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾(٢) [ الشورى : ٥٢ } وقال ابن جريج : الروح شخص له صورة كصورة بني آدم ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهو كثير، وهم ملائكة، وهذا قول ضعيف لم يأت به سند، وقال الزجاج :﴿الروح﴾ ما تحيى به قلوب من هداية الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول حسن، فكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً﴾(٣) [الأنعام: ١٢٢].
قال القاضي أبو محمد : و ﴿من﴾ في هذه الآية على هذا التأويل الذي قدرنا للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس، و ﴿من﴾ في قوله ﴿من يشاء﴾ هي للأنبياء، و ﴿أن﴾ في موضع خفض بدل من ﴿الروح﴾، ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الخافض على تقدير بأن أنذروا، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي، وقرأ الأعمش «لينذروا أنه »، وحسنت النذارة هنا وإن لم يكن في اللفظ ما فيه خوف من حيث كان المنذرون كافرين بالألوهية، ففي ضمن أمرهم مكان خوف، وفي ضمن الإخبار بالوحدانية نهي عما كانوا عليه ووعيد، ثم ذكر تعالى ما يقال للأنبياء بالوحي على المعنى، ولم يذكره على لفظه لأنه لو ذكره على اللفظ لقال «أن أنذروا أنه لا إله إلا الله »، ولكنه إنما ذكر ذلك على معناه، وهذا سائغ في الأقوال إذا حكيت أن تحكى على لفظها، أو تحكى بالمعنى فقط.
١ قال أبو حيان تعقيبا على كلام ابن عطية: "شذوذهما أن ما قبله و ما بعده ضمير غيبة، ووجهه أنه التفات"..
٢ من الآية (٥٢) من سورة (الشورى)، هذا وقد قيل أيضا: الروح: حفظة على الملائكة، لا تراهم الملائكة، كما أن الملائكة حفظة علينا ولا نراهم، وقيل: الباء بمعنى (مع)، وقال مجاهد أيضا: الروح: اسم ملك، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾..
٣ من الآية (١٢٢) من سورة (الأنعام)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى