تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير(١) عليهم، وأنكر(٢) عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل ؛ فلهذا قال :﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي : اسألوا(٣) عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨].
ثم أخبر الله تعالى رسوله ﷺ أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى :﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقال نوح لقومه :﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقال في هذه الآية الكريمة :﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كما قال تعالى :﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ(٤) فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وقال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
فقوله :﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أي : شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ؛ فلهذا قال :﴿لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي : من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله ؟ أي : لا أحد ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي : ينقذونهم(٥) من عذابه ووثاقه، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
١ في أ: "عيره"..
٢ في أ: "وأنكره"..
٣ في أ: "فاسألوا".
.

٤ في ت: "ويمدهم" وهو خطأ..
٥ في ت، ف، أ: "ينقذهم"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى