الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ : العامَّةُ على النصبِ وفيه وجهان، أحدُهما : نصبٌ على الاشتغالِ، وهو أرجحُ مِن الرفعِ لتقدُّمِ جملةٍ فِعليةٍ. والثاني : أنه نصبٌ على عَطْفِه على " الإِنسان "، قاله الزمخشريُّ وابنُ عطية، فيكون " خَلَقَها " على هذا مؤكِّداً، وعلى الأول مفسِّراً. وقُرئ في الشاذِّ " والأنعامُ " رفعاً وهي مَرْجُوحَةٌ.
قوله :﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ يجوز أن يَتَعَلَّقَ " لكم " ب " خَلَقَها "، أي : لأجلِكم ولمنافعِكم، ويكون " فيها " خبراً مقدماً، " ودِفْءٌ " مبتدأً مؤخراً. ويجوز أن يكونَ " لكم " هو الخبر، و " فيها " متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به الخبرُ، أو يكونَ " فيها " حالاً من " دِفْء " لأنه لو تاخَّر لكان صفةً له، أو يكونَ " فيها " هو الخبرَ، و " لكم " متعلِّقٌ بما تعلَّق به، أو يكونَ حالاً مِنْ " دِفْء " قاله أبو البقاء. ورَدَّه الشيخ بأنه إذا كان العاملُ في الحال معنوياً فلا يتقدَّم على الجملةِ بأسرها، لا يجوز :" قائماً في الدار زيدٌ " فإنْ تأخَّرَتْ نحو :" زيدٌ في الدار قائماً " جازَ بلا خلافٍ، أو توسَّطَتْ/ فخلافٌ، أجازه الأخفشُ، ومنعه غيرُه.
قلت : ولقائلٍ أن يقولَ : لَمَّا تقدَّمَ العاملُ فيها وهي معه جاز تقديمُها عليه بحالها، إلاَّ أنْ يقولَ : لا يَلْزَمُ مِنْ تقديمِها عليه وهو متأخرٌ تقديمُها عليه وهو متقدمٌ، لزيادةِ القبح.
وقال أبو البقاء أيضاً :" ويجوز أَنْ يرتفعَ " دِفْء " ب " لكم " أو ب " فيها " والجملةُ كلُّها حالٌ من الضمير المنصوب ". قال الشيخ :" ولا تُسَمَّى جملةً ؛ لأنَّ التقدير : خلقها كائناً لكم فيها دفءٌ، أو خَلَقها لكم كائناً فيها دِفْءٌ " قلت " قد تقدَّم الخلاف في تقدير متعلِّق الجارِّ إذا وقع حالاً أو صفةً أو خبراً : هل يُقَدَّرُ فِعْلاً أو اسماً ؟ ولعلَّ أبا البقاء نحا إلى الأولِ، فتسميتُه له جملةً صحيحٌ على هذا.
والدِّفْء اسمٌ لِما يُدْفَأُ به، أي : يُسْخَنُ، وجمعُه أدْفاء، ودَفِئَ يومُنا فهو دَفِىءٌ، ودَفِئَ الرجلُ يَدْفَأُ دَفاءَةً ودَفَاءً فهو دَفْآنُ، وهي دَفْأَى، كسَكْران وسَكْرى. والمُدْفَأة بالتخفيفِ والتشديد : الإِبلُ الكثيرةُ الوبرِ والشحمِ. قيل : الدِّفْءُ : نِتاجُ الإِبل وألبانُها، وما يُنْتفع به منها.
وقرأ زيدُ بنُ عليّ " دِفٌ " بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الفاء، والزهريُّ كذلك، إلا أنه شَدَّدَ الفاء، كأنه أجرى الوَصْلَ مُجْرى الوقفِ نحو قولِهم :" هذا فَرُخّْ " بالتشديد وقفاً. وقال صاحب " اللوامح " :" ومنهم مَنْ يُعَوِّضُ من هذه الهمزةَ فَيُشَدِّد الفاءَ، وهو أحدُ وجهَيْ حمزةَ بنِ حبيب وقفاً ". قلت : التشديد وَقْفاً لغةٌ مستقلةٌ، وإن لم يكن ثَمَّ حَذْفٌ من الكلمةِ الموقوفِ عليها.
قوله :﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ " مِنْ " هنا لابتداء الغاية، والتبعيض هنا ضعيفٌ. قال الزمخشري : فإن قلت : تقديمُ الظرفِ مُؤْذِنٌ بالاختصاصِ، وقد يُؤْكَلُ مِنْ غيرِها. قلت : الأكل منها هو الأصلُ الذي يعتمده الناسُ، وأمَّا غيرُها مِن البَطِّ والدَّجاج ونحوِها من الصَّيْد فكغيرِ المُعْتَدِّ به ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى