فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
بيّن سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم، فقال : مسلياً لرسول الله ﷺ ﴿تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ﴾ أي : رسلاً ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثة ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم﴾ يحتمل أن يكون ليوم عبارة عن زمان الدنيا، فيكون المعنى : فهو قرينهم في الدنيا، ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده، فيكون للحال الآتية، ويكون الوليّ بمعنى الناصر. والمراد : نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً في الدار الآخرة، وإذا كان الناصر منحصراً فيه، لزم أن لا نصرة من غيره. ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين : الأوّل : أن يراد البعض الذي قد مضى، وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية. الثاني : أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد : تزيين الشيطان لكفار قريش، فيكون الضمير في ﴿وليهم﴾ لكفار قريش : أي فهو وليّ هؤلاء اليوم. أو على حذف مضاف، أي : فهو وليّ أمثال أولئك الأمم اليوم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي : في الآخرة، وهو عذاب النار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، وابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن قوله :﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال : السكر ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن ما حلّ. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال : السكر : الحرام، والرزق الحسن : زبيبه وخله وعنبه ومنافعه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : السكر : النبيذ، والرزق الحسن : الزبيب. فنسختها هذه الآية ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال : فحرّم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه، ثم قال :﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فهو الحلال من الخلّ والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقرّه الله وجعله حلالاً للمسلمين. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه سئل عن السكر، فقال : الخمر بعينها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود قال : السكر : خمر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل﴾ قال : ألهمها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ﴿فاسلكي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً﴾ قال : طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ذللاً﴾ قال : مطيعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال : ذليلة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ قال : العسل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن ابن مسعود قال : إن العسل شفاء من كل داء. والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال : عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وابن السني، وأبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :( عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن ). وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء : منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال :( الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكيّ ). وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد :( أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله : إن أخي استطلق بطنه، فقال :" اسقه عسلاً " فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال : سقيته عسلاً، فما زاده إلاّ استطلاقاً، قال " اذهب فاسقه عسلاً " فذهب فسقاه، ثم جاء فقال : ما زاده إلاّ استطلاقاً، فقال رسول الله ﷺ :( صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً )، فذهب فسقاه عسلاً فبرأ ).