النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ قوله عز وجل: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بُطونه﴾ أي نبيح لكم شرب ما في بطونه، فعبر عن الإباحة بالسقي. ﴿مِن بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: خالصاً من الفرث والدم. الثاني: أن المراد من الخالص هنا الأبيض، قاله ابن بحر ومنه قول النابغة:
(يصونون أجساداً قديمها نعيمُهابخالصةِ الأردان خُضْر المناكب)
فخالصة الأردان أي بيض الأكمام، وخضر المناكب يعني من حمائل السيوف. ﴿سائغاً للشاربين﴾ فيه وجهان: أحدهما: حلال للشاربين. الثاني: معناه لا تعافه النفس. وقيل: إنه لا يغص أحد باللبن.
قوله عز وجل: ﴿ومن ثَمَرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكراً ورزقاً حسَناً﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: أن السكر الخمر، والرزق الحسن التمر والرطب والزبيب. وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت من بعد. قال ابن عباس: السَّكر ما حرم من شرابه، والرزق الحسن ما حل من ثمرته، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومن ذلك قول الأخطل:
(بئس الصُّحاة وبئس الشرب شربهمإذا جرى فيهم المزاءُ والسكُرُ)
والسكر: الخمر، والمزاء: نوع من النبيذ المسكر. واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين: أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ. قاله قتادة. الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل، قاله ابن عباس. الثاني: أن السّكَر: النبيذ المسكر، والرزق الحسن التمر والزبيب، قاله الشعبي والسدي. وجعلها أهل العراق دليلاً على إباحة النبيذ. الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة، الرزق الحسن: الطعام. الرابع: أن السكر ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن، وبه قال أبو جعفر الطبري وأنشد قول الشاعر:
٨٩ (وَجَعلت عيب الأكرمين سكرا} ٩

تفسير هذه الآية من كتب أخرى