التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التي لا تحصى، وهي نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال - تعالى - :﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً...﴾.
قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - :﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب..﴾ خبر مقدم، ومن تبعيضية، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر، وقوله :﴿تتخذون﴾، نعت لهذا المبتدأ المحذوف، أي : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا.
ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي : من عصيرهما، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾، بيان وكشف عن كيفية الإِسقاء.
والضمير في قوله :﴿منه﴾ يعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر.
والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر، يقال : سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا، إذا غاب عقله وإدراكه، فهو سكران، وسكر - بفتح السين وكسر الكاف -.
وأما الرزق الحسن، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب، كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - تعالى - من ثمارها.
وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف.
قال الألوسي ما ملخصه : والسكر : الخمر. قال الأخطل :
بئس الصُّحاة وبئس الشَّرب شَربُهم... إذا جرى فيهم المزَّاءُ والسَّكَر
والمزاء : نوع من الأشربة. والسكر ما يسكر وهو الخمر.
وفسروا الرزق الحسن. بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك.
ثم قال : وتفسير " السَّكَر " بالخمر، هو المروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي.. والنخعي.. مع خلق آخرين...
وعلى هذا التفسير الذي قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن، ويكون العطف للتغاير.
ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل، أو للعصير غير المسكر، أو لما لا يسكر من الأنبذة، وقد بسط الإِمام القرطبي القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - :﴿سكرا﴾، السكر : ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى