الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت : بم تعلق قوله :﴿وَمِن ثمرات النخيل والأعناب﴾ ؟ قلت : بمحذوف تقديره : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي : من عصيرها، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله :﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾، بيان وكشف عن كنه الإسقاء. أو يتعلق ب " تتخذون "، و " منه "، من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك : زيد في الدار فيها، ويجوز أن يكون :﴿تَتَّخِذُونَ﴾، صفة موصوف محذوف، كقوله :
جادت بِكَفّي كَانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ ***
تقديره : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ؛ لأنهم يأكلون بعضها، ويتخذون من بعضها السكر.
فإن قلت : فالإم يرجع الضمير في " منه "، إذا جعلته ظرفاً مكرّراً ؟ قلت : إلى المضاف المحذوف، الذي هو : العصير، كما رجع في قوله تعالى :﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]، إلى : الأهل، المحذوف، والسكر : الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً. نحو رشد رشداً ورشداً. قال :
وَجَاؤُنَا بهِمْ سَكَرٌ عَلَيْنَافَأَجْلَى اليَوْمُ والسَّكْرَانُ صَاحِي
وفيه وجهان : أحدهما : أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها : الشعبي والنخعي. والثاني : أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل : السكر، النبيذ. وهو : عصير العنب، والزبيب، والتمر، إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حدّ السكر، ويحتج بهذه الآية، وبقوله ﷺ. « الخمر حرام لعينها، والسكر من كل شراب » وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو علي الجبائي قدّس الله روحه، غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له : لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له : فقد صنفت في تحليله، فقال : تناولته الدعارة، فسمج في المروءة. وقيل : السكر : الطُعم، وأنشد :
جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَاً *** أي تنقلت بأعراضهم. وقيل : هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن : الخل، والرب، والتمر، والزبيب، وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر، رزقاً حسناً، كأنه قيل : تتخذون منه، ما هو سكر، ورزق حسن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى