إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾، التفاتٌ إلى الخطاب ؛ للإيذان بالاهتمام بشأن النهي، أي : لا تشركوا به شيئاً، والتعبيرُ عن ذلك بضرب المثَل ؛ للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من الشؤون، فإن ضربَ المثلِ مبناه تشبيهُ حالة بحالة وقصةٍ بقصة، أي : لا تُشَبّهوا بشأنه تعالى شأناً من الشؤون، واللامُ مَثَلُها في قوله تعالى :﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأة نُوحٍ﴾، ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ، ﴾ لا مثلُها في قوله تعالى :﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية﴾ ونظائرِه، والفاءُ : للدلالة على ترتب النهي على ما عدّه من النعم الفائضةِ عليهم من جهته سبحانه، وكونِ ما يشركون به تعالى بمعزل من أن يملِك لهم من إمطار السماوات والأرض شيئاً من رزق ما، فضلاً عما فُصّل من نعمة الخلق، والتفضيل في الرزق ونعمةِ الأزواج والأولاد، ﴿إنَّ الله يَعْلَمُ﴾، تعليلٌ للنهي المذكور، ووعيدٌ على المنهيّ عنه، أي : إنه تعالى يعلم كنهَ ما تأتون وما تذرون، وأنه في غاية العِظم والقبح، ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ذلك، وإلا لَما فعلتموه، أو أنه تعالى يعلم كُنهَ الأشياء، وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيَكم، وقِفوا مواقفَ الامتثالِ لِما ورد عليكم من الأمر والنهي، ويجوز أن يُراد : فلا تضرِبوا لله الأمثالَ إن الله يعلم كيف تُضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك، فتقعون فيما تقعون فيه من مهاوي الردة والضلال، ثم علمهم كيفيةَ ضرب الأمثال في هذا الباب فقال :﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى