فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ لما قال سبحانه :﴿إن الله يعلم﴾ أي : بالمعلومات التي من جملتها كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون ؟ علمهم سبحانه كيف تضرب الأمثال، فقال :﴿ضرب الله مثلاً﴾ أي : ذكر شيئاً يستدلّ به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكاً له من الأصنام. ثم ذكر ذلك فقال :﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ والمثل في الحقيقة هي حالة للعبد عارضة له، وهي المملوكية والعجز عن التصرف، فقوله :﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء﴾ تفسير للمثل وبدل منه، ووصفه بكونه مملوكاً ؛ لأن العبد والحرّ مشتركان في كون كل واحد منهما عبد الله سبحانه، ووصفه بكونه لا يقدر على شيء ؛ لأن المكاتب والمأذون يقدران على بعض التصرفات. فهذا الوصف لتمييزه عنهما ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ﴾ " من " هي الموصولة، وهي معطوفة على ﴿عبداً﴾ أي : والذي رزقناه ﴿مِنَّا﴾ أي : من جهتنا ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف شاءوا، والمراد بكون الرزق حسناً : أنه مما يحسن في عيون الناس، لكونه رزقاً كثيراً مشتملاً على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها. والفاء في قوله :﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ﴾ لترتيب الإنفاق على الرزق، أي : ينفق منه في وجوه الخير ويصرف منه إلى أنواع البرّ والمعروف، وانتصاب ﴿سِرّا وَجَهْرًا﴾ على الحال، أي : ينفق منه في حال السرّ وحال الجهر. والمراد : بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السرّ على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر. وقيل : إن «من » في ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ﴾ موصوفة، كأنه قيل : وحرّاً رزقناه، ليطابق عبداً. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي : الحرّ والعبد الموصوفان بالصفات المتقدّمة، وجمع الضمير لمكان من، لأنه اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل : إنه أريد بالعبد والموصول الذي هو عبارة عن الحرّ الجنس ؛ أي من اتصف بتلك الأوصاف من الجنسين، والاستفهام للإنكار، أي : هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرّاً ولا نفعاً، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه ؟ وحاصل المعنى : أنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حرّ قد رزقه الله رزقاً حسناً، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الربّ الخالق الرازق، والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضرّ ولا تنفع. وقيل : المراد بالعبد المملوك في الآية : هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر : هو المؤمن. والغرض : أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل : العبد : هو الصنم، والثاني : عابد الصنم، والمراد : أنهما لا يستويان في القدرة والتصرّف ؛ لأن الأوّل جماد، والثاني إنسان ﴿الحمد للَّهِ﴾ أي : الحمد لله كله، لأنه المنعم، لا يستحق غيره من العباد شيئاً منه، فكيف تستحق الأصنام منه شيئاً ولا نعمة منها أصلاً لا بالأصالة ولا بالتوسط ؛ وقيل : أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد ؛ وقيل : أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد ﷺ أو لمن رزقه الله رزقاً حسناً، وقيل : إنه لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود، قال : الحمد لله أي : على قوّة هذه الحجة ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حتى يعبدوا من تحقّ له العبادة، ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة، ونفي العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم، أو هم يتركون الحق عناداً مع علمهم به، فكانوا كمن لا علم له، وخصّ الأكثر بنفي العلم : إما لكونه يريد الخلق جميعاً، وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر، وهو يريد الكلّ، أو المراد أكثر المشركين ؛ لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآية قال : يعني الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية، قال : يعني : المؤمن وهذا المثل في النفقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية، وفي قوله :﴿مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ قال : كل هذا مثل إله الحق وما تدعون من دونه الباطل. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : في المثل الأوّل، يعني بذلك : الآلهة التي لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء ينفعها ﴿وَمَن رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا﴾ قال : علانية الذي ينفق سرّاً وجهراً لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن عساكر عنه، قال : نزلت هذه الآية ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ في رجل من قريش، وعبدة بن هشام بن عمرو، وهو الذي ينفق سرّاً وجهراً، وفي عبدة أبي الجوزاء الذي كان ينهاه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الآية قال : يعني بالأبكم : الذي هو كلّ على مولاه الكافر ﴿وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾ المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عنه أيضاً قال : نزلت هذه الآية ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في قوله :﴿وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾ قال : عثمان بن عفان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿كُلٌّ﴾ قال : الكلّ : العيال، كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط عليهم، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني : نفسه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر﴾ هو أن يقول : كن فهو كلمح البصر ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ فالساعة كلمح البصر أو هي أقرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم﴾ قال : من الرحم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿فِي جَوّ السماء﴾ أي : في كبد السماء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى