المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله :﴿ضرب الله مثلاً﴾ الآية، هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة، مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخر بإرادة سيده مدبر، ولا يلزم من هذا أن العبيد كلهم بهذه الصفة، كما انتزع بعض من ينتحل الفقه، وقد قال في المثال : لا يقدر على شيء فيلزم على هذا الانتزاع أن يكون مؤمناً ينفق بحسب الطاعة، وذلك أنه أشرف أن يكون مثالاً، والرزق ما صح الانتفاع به، وقال أبو منصور في عقيدته(١) : الرزق ما وقع الاغتذاء به، وهذه الآية ترد على هذا التخصيص، وكذلك قوله تعالى :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾(٢) [البقرة: ٣٠]، و ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾(٣) [البقرة: ٢٥٤]، وغير ذلك من قول النبي ﷺ :«جعل رزقي في ظل رمحي »(٤)، وقوله :«أرزاق أمتي في سنابك خيلها، وأسنة رماحها، فالغنيمة كلها رزق »، والصحيح أن ما صح الانتفاع به هو الرزق، وهو مراتب أعلاها ما تغذي به، وقد حصر رسول الله ﷺ وجوه الانتفاع في قوله :«يقول ابن آدم : مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت »(٥).
قال القاضي أبو محمد : وفي معنى اللباس، يدخل المركوب ونحوه، واختلف الناس في الذي هو له هذا المثيل، فقال قتادة وابن عباس : هو مثل الكافر والمؤمن، فكأن الكافر مملوك مصروف عن الطاعة، فهو لا يقدر على شيء لذلك. ويشبه ذلك العبد المذكور.
قال القاضي أبو محمد : والتمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثالاً، ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين، وقال مجاهد والضحاك : هذا المثال والمثال الآخر الذي بعده إنما هو لله تعالى والأصنام، فتلك هي للعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى تتصرف قدرته دون معقب، وكذلك فسر الزجاج على نحو قول مجاهد.
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل أصوب ؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبين أمر الله والرد على أمر الأصنام، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وعبد كان له، وروي تعيين غير هذا ولا يصح إسناده.
قال القاضي أبو محمد : والمثل لا يحتاج إلى تعيين أحد، وقوله :﴿الحمد لله﴾، شكر على بيان الأمر بهذا المثال وعلى إذعان الخصم له، وهذا كما تقول لمن أذعن لك. في حجة وسلم ما تبني أنت عليه قولك : الله أكبر، على هذا يكون كذا وكذا، فلما قال هنا ﴿هل يستوون﴾ ؟ فكأن الخصم قال له لا فقال الحمد لله ظهرت الحجة، وقوله :﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾، يريد لا يعلمون أبداً، ولا يداخلهم إيمان، ويتمكن على هذا قوله :﴿أكثرهم﴾ ؛ لأن الأقل من الكفار هو الذي آمن من أولئك، ولو كان معنى قوله :﴿لا يعلمون﴾، أي : الآن، لكان قوله :﴿أكثرهم﴾، بمعنى : الاستيعاب ؛ لأنه لم يكن أحد منهم يعلم.
قال القاضي أبو محمد : وفي معنى اللباس، يدخل المركوب ونحوه، واختلف الناس في الذي هو له هذا المثيل، فقال قتادة وابن عباس : هو مثل الكافر والمؤمن، فكأن الكافر مملوك مصروف عن الطاعة، فهو لا يقدر على شيء لذلك. ويشبه ذلك العبد المذكور.
قال القاضي أبو محمد : والتمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثالاً، ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين، وقال مجاهد والضحاك : هذا المثال والمثال الآخر الذي بعده إنما هو لله تعالى والأصنام، فتلك هي للعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى تتصرف قدرته دون معقب، وكذلك فسر الزجاج على نحو قول مجاهد.
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل أصوب ؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبين أمر الله والرد على أمر الأصنام، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وعبد كان له، وروي تعيين غير هذا ولا يصح إسناده.
قال القاضي أبو محمد : والمثل لا يحتاج إلى تعيين أحد، وقوله :﴿الحمد لله﴾، شكر على بيان الأمر بهذا المثال وعلى إذعان الخصم له، وهذا كما تقول لمن أذعن لك. في حجة وسلم ما تبني أنت عليه قولك : الله أكبر، على هذا يكون كذا وكذا، فلما قال هنا ﴿هل يستوون﴾ ؟ فكأن الخصم قال له لا فقال الحمد لله ظهرت الحجة، وقوله :﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾، يريد لا يعلمون أبداً، ولا يداخلهم إيمان، ويتمكن على هذا قوله :﴿أكثرهم﴾ ؛ لأن الأقل من الكفار هو الذي آمن من أولئك، ولو كان معنى قوله :﴿لا يعلمون﴾، أي : الآن، لكان قوله :﴿أكثرهم﴾، بمعنى : الاستيعاب ؛ لأنه لم يكن أحد منهم يعلم.
١ أبو منصور الماتريدي هو محمد بن محمد بن محمود، مات بسمرقند سنة ٣٣٣ هـ. "والعقيدة" اسم كتاب له ذكر فيه هذا الرأي في الرزق. راجع (كشف الظنون)..
٢ تكررت في الآيات: (٣) من سورة (البقرة)، و (٣) من سورة (الأنفال)، و (٣٥) من سورة (الحج)، و (٥٤) من سورة (القصص)، و (١٦) من سورة (السجدة)، و (٣٨) من سورة (الشورى)..
٣ من الآية (٢٥٤) من سورة (البقرة)..
٤ أخرجه البخاري في الجهاد، والإمام أحمد في مسنده ( ٢ ـ ٥٠، ٩٢)، ولفظه كما في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، و جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)..
٥ الحديث في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة، ولفظه فيه أن النبي ﷺ قال: (يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفني، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأفني، ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس). ( ٢ ـ ٣٦٨). ورواه مسلم في كتاب الزهد عن مطوف عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، قال: (يقول ابن آدم، مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).
و معنى (أمضيت): أكملت عطاءك وأتممته..
٢ تكررت في الآيات: (٣) من سورة (البقرة)، و (٣) من سورة (الأنفال)، و (٣٥) من سورة (الحج)، و (٥٤) من سورة (القصص)، و (١٦) من سورة (السجدة)، و (٣٨) من سورة (الشورى)..
٣ من الآية (٢٥٤) من سورة (البقرة)..
٤ أخرجه البخاري في الجهاد، والإمام أحمد في مسنده ( ٢ ـ ٥٠، ٩٢)، ولفظه كما في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، و جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)..
٥ الحديث في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة، ولفظه فيه أن النبي ﷺ قال: (يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفني، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأفني، ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس). ( ٢ ـ ٣٦٨). ورواه مسلم في كتاب الزهد عن مطوف عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، قال: (يقول ابن آدم، مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).
و معنى (أمضيت): أكملت عطاءك وأتممته..