الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿سَكَناً﴾ : يجوز أن يكونَ مفعولاً أولَ، على أنَّ الجَعْلَ تصييرٌ، والمفعولُ الثاني : أحدُ الجارَّيْنِ قبله. ويجوز أن يكونَ الجَعْلُ بمعنى الخَلْقِ، فيتعدَّى لواحدٍ. وإنما وَحَّد السَّكن ؛ لأنه بمعنى ما تَسْكُنُون فيه، قاله أبو البقاء : وقد يُقال : إنه في الأصل مصدرٌ، وإليه ذهب ابن عطية، فتوحيدُه واضحٌ. إلا أنَّ الشيخ منع كونَه مصدراً، ولم يذكر وَجْهَ المنعِ، وكأنه اعتمد على قولِ أهل اللغة : أن " السَّكَن " فَعَل، بمعنى : مَفْعُول، كالقَبْضِ والنَّقَض، بمعنى، المقبوض والمنقوض، وأنشد الفراء :
جاء الشتاءُ ولَمَّا أتخِذْ سَكَناًيا ويحَ نفسي مِنْ حَفْرِ القراميصِ
قوله :﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾، قرأ نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو : بفتح العين، والباقون : بإسكانها، وهما لغتان بمعنىً، كالنَّهْر والنَّهَر. وزعم بعضُهم أن الأصلَ الفتحُ، والسكونُ تخفيفٌ لأجلِ حرفِ الحلق كالشَّعْر في الشعَر.
قوله :﴿أَثَاثاً﴾، فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوبٌ عطفاً على " بُيوتاً "، أي : وَجَعَلَ لكم من أصوافِها أثاثاً، وعلى هذا فيكونُ قد عطف مجروراً على مجرور، ومنصوباً على منصوبٍ، ولا فَصْلَ هنا بين حرفِ العطفِ والمعطوف حينئذٍ. وقال أبو البقاء :" وقد فُصِلَ بينه وبين حرفِ العطفِ بالجارِّ والمجرور، وهو قولُه :﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾، وهو ليس بفصلٍ مستقبَحٍ كما زعم في " الإِيضاح " ؛ لأنَّ الجارَّ والمجرورَ مفعول، وتقديمُ / مفعولٍ على مفعولٍ قياسٌ ". وفيه نظرٌ ؛ لِما عَرَفْتَ من أنه عَطْفُ مجرورٍ على مثلِه، ومنصوبٍ على مثله.
والثاني : أنه منصوبٌ على الحالِ، ويكون قد عَطَفَ مجروراً على مثلِه، تقديرُه : وجَعَل لكم مِنْ جلودِ الأنعام، ومِنْ أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها، بيوتاً حالَ كونِها أثاثاً، فَفَصَل بالمفعول بين المتعاطفين. وليس المعنى على هذا، إنما هو على الأول.
وقوله :﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]، اللَّمْحُ : مصدرُ لَمَحَ يَلْمَح لَمْحاً ولَمَحاناً، أي : أَبْصَرَ بسرعة. وقيل : أصلُه من لَمْحِ البرق، وقولهم :" لأُرِيَنَّك لَمْحاً باصراً "، أي : أمراً واضحاً.
وقوله :﴿فِي جَوِّ السَّمَآءِ﴾ [النحل: ٧٩]، الجَوُّ : الهواء، وهو ما بين السماءِ والأرض. قال :
فلستَ لإِنْسيٍّ ولكن لِمَلأَكٍتَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماء يَصُوبُ
وقيل : الجَوُّ : ما يلي الأرضَ في سَمْتِ العُلُوِّ، واللُّوح والسُّكاك أبعدُ منه.
وقوله :" ظَعْنِكم "، مصدرُ ظَعَن، أي : ارْتَحَلَ، والظَّعِينَةُ : الهَوْدَجُ فيه المرأةُ، وإلا فهو مَحْمَلٌ، ثم كَثُر حتى قيل للمرأة، ظَعينة.
وقال أهل اللغة : الأصوافُ للضَّأْن، والأَوْبار للإِبِل، والشَّعْر للمَعِز. والأَثاث : مَتاعُ البيت إذا كان كثيراً. وأصلُه مِنْ أثَّ الشعرُ والنَّباتُ إذا كَثُفا وتكاثرا. قال امرؤ القيس :
وفَرْعٍ يُغشي المَتْنَ أسودَ فاحمٍأثيثٍِ كقِنْوِ النخلةِ المُتَعَثْكِلِ
ونساء أَثائِثُ، أي : كثيراتُ اللحمِ، كأنَّ عليهن أَثاثاً، وتَأَثَّث فلانٌ : كَثُر أثاثُه. وقال الزمخشري :" الأثاث ما جَدَّ مِنْ فَرْشِ البيت، والخُرْثِيُّ : ما قَدُم منها "، وأنشد :
تقادَم العهدُ مِنْ أُمِّ الوليد بنادَهْراً وصار أثاثُ البيتِ خُرْثِيَّا
وهل له واحدٌ من لفظه ؟ فقال الفراء : لا. وقال أبو زيد :" واحدة : أَثاثَةٌ، وجمعُه في القلَّة " أثِثَّة، كبَتات وأَبِتَّة ". قال الشيخ :" وفي الكثير على " أَثَثٍ ". وفيه نظر ؛ لأنَّ فَعالاً المُضَعَّف يلزمُ جَمْعُه على أَفْعِلَة في القلة والكثرة، ولا يُجْمع على فُعُل إلا في لفظتين شَذَّتا، وهما : عُنُن وحُجُج، جمع عِنان وحِجاج، وقد نصَّ النحاة على مَنْع القياس عليهما، فلا يجوز : زِمام وزُمُم بل أَزِمَّة. وقال الخليل :" الأَثَاثُ والمَتاع واحدٌ، وجُمِع بينهما لاختلافِ لَفْظَيْهما كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وأَلْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنا
[ وقوله ] :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ***. . . . . أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبُعْدُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى