فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿والله جعل لكم﴾ معطوف على ما قبله. وهذا المذكور من جملة أحوال الإنسان، ومن تعديد نعم الله عليه، والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع. وهو بمعنى : مسكون، أي : تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة. وهذه نعمة، فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطرباً دائماً كالأفلاك، ولو شاء لخلقه ساكناً أبداً كالأرض ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ من جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا﴾ لما ذكر سبحانه بيوت المدن، وهي التي للإقامة الطويلة، عقبها بذكر بيوت البادية والرحلة، أي : جعل لكم من جلود الأنعام، وهي الأنطاع والأدم بيوتاً كالخيام والقباب ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي : يخفّ عليكم حملها في الأسفار وغيرها، ولهذا قال :﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ والظعن بفتح العين وسكونها، وقرئ بهما : سير أهل البادية للانتجاع والتحوّل من موضع إلى موضع، ومنه قول عنترة :
والظعن الهودج أيضاً ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أثاثا﴾ معطوف على ﴿جعل﴾ أي : وجعل لكم من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها، والأنعام : تعمّ الإبل والبقر والغنم كما تقدّم. والأصواف : للغنم، والأوبار : للإبل، والأشعار : للمعز، وهي من جملة الغنم، فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منها لواحد من الثلاثة، أعني : الإبل، ونوعي الغنم، والأثاث متاع البيت، وأصله الكثرة والاجتماع، ومنه شعر أثيث، أي : كثير مجتمع، قال الشاعر :
قال الخليل أثاثاً، أي : منضماً بعضه إلى بعض، من أثّ إذا أكثر، قال الفراء : لا واحد له، والمتاع : ما يتمتع به بأنواع التمتع، وعلى قول أبي زيد الأنصاري : إن الأثاث المال أجمع : الإبل والغنم والعبيد والمتاع، يكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام، وقيل : إن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به، ومعنى ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلى ويفنى، أو إلى الموت، أو إلى القيامة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا واستيقنتها أَنفُسهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾ [النمل: ١٤].
وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿سكنا﴾ قال : تسكنون فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي نحوه قال :﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا﴾ وهي خيام العرب ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ يقول : في الحمل ﴿ومتاعا﴾ يقول بلاغاً ﴿إلى حِينٍ﴾ قال : إلى الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ قال : بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة، وفي قوله :﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ قال : الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ قال : الغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿أَثَاثاً﴾ قال : الأثاث المتاع. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : الأثاث المال ﴿ومتاعا إلى حِينٍ﴾ يقول : تنتفعون به إلى حين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا﴾ قال : من الشجر ومن غيرها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا﴾ قال : غارات يسكن فيها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ قال : من القطن والكتان والصوف ﴿وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ من الحديد ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ قال : يعني : الثياب، ﴿وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ قال : يعني : الدروع والسلاح ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يعني : من الجراحات، وكان ابن عباس يقرؤها «تسلمون» كما قدّمنا، وإسناده ضعيف.
| ظعن الذين فراقهم أتوقع | وجرى [ ببيتهم ] الغراب الأبقع |
| وفرع يزين المتن أسود فاحم | أثيث كقنو النخلة المتعثكل |
وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿سكنا﴾ قال : تسكنون فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي نحوه قال :﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا﴾ وهي خيام العرب ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ يقول : في الحمل ﴿ومتاعا﴾ يقول بلاغاً ﴿إلى حِينٍ﴾ قال : إلى الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ قال : بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة، وفي قوله :﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ قال : الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ قال : الغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿أَثَاثاً﴾ قال : الأثاث المتاع. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : الأثاث المال ﴿ومتاعا إلى حِينٍ﴾ يقول : تنتفعون به إلى حين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا﴾ قال : من الشجر ومن غيرها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا﴾ قال : غارات يسكن فيها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ قال : من القطن والكتان والصوف ﴿وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ من الحديد ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ قال : يعني : الثياب، ﴿وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ قال : يعني : الدروع والسلاح ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يعني : من الجراحات، وكان ابن عباس يقرؤها «تسلمون» كما قدّمنا، وإسناده ضعيف.