المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه آية تعديد نعمة الله على الناس في البيوت، فذكر أولاً بيوت التمدن : وهي التي للإقامة الطويلة، وهي أعظم بيوت الإنسان، وإن كان الوصف ب ﴿سكناً﴾ يعم جميع البيوت، والسكن مصدر يوصف به الواحد، ومعناه : يسكن فيها وإليها. ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة، وقوله :﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً﴾، يحتمل أن يعم به بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف ؛ لأن هذه هي من الجلود، لكونها نابتة فيها، نحا إلى ذلك ابن سلام، ويكون قوله :﴿ومن أصوافها﴾، عطفاً على قوله :﴿من جلود الأنعام﴾، أي : جعل بيوتاً أيضاً، ويكون قوله :﴿أثاثاً﴾، نصباً على الحال، و ﴿تستخفونها﴾، أي : تجدونها خفافاً. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو :«ظعَنكم »، بفتح العين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي :«ظعْنكم »، بسكون العين، وهما لغتان، وليس بتخفيف، و «ظعن »، معناه : رحل. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان ؛ فلذلك اقتصر على هذه، ويحتمل أن ترك ذلك القطن والحرير والكتان إعراضاً، والكتان في لفظ السرابيل، والأثاث : متاع البيت، واحدتها أثاثة، هذا قول أبي زيد الأنصاري، وقال غيره : الأثاث : جميع أنواع المال، ولا واحد له من لفظه.
قال القاضي أبو محمد : والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم ؛ لأن حال الإنسان تكون بالمال أثيثة، تقول : شعر أثيث، ونبات أثيث : إذا كثر والتف، وقوله :﴿إلى حين﴾، يريد به وقتاً غير معين، وهو بحسب كل إنسان، إما بموته، وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث، ومن هذه اللفظة قول الشاعر :[ الوافر ]
أهاجتك الظعائن يوم بانوا. . . بذي الزيّ الجميل من الأثاث(١)
١ البيت لمحمد بن نمير الثقفي، وله قصة مع الحجاج؛ لأنه كان يشبب بزينب أخت الحجاج، فتوعده فهرب منه (ارجع إلى الكامل للمبرد)، ويروى: "أشاقتك"... بدلا من أهاجتك، و "بذي الرئي"... بدلا من "بذي الزي"، قال في (اللسان ـ رأى): "هو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي:
أشاقتك الظعائن يوم بانــــــــــــــوا بذي الرئي الجميل من الأثاث؟
والظعائن: جمع ظعينة، وهي الراحلة يرتحل عليهان أو الهودج، أو الزوجة. ولعله المراد هنا، وبانوا: سافروا وبعدوا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى