زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً﴾، أي : ما يقيكم حر الشمس، وفيه خمسة أقوال :
أحدها : أنه ظلال الغمام، قاله ابن عباس. والثاني : ظلال البيوت، قاله ابن السائب.
والثالث : ظلال الشجر، قاله قتادة، والزجاج. والرابع : ظلال الشجر والجبال، قاله ابن قتيبة. والخامس : أنه كل شيء له ظل من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك، قاله أبو سليمان الدمشقي.
قوله تعالى :﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾، أي : ما يكنكم من الحر والبرد، وهي الغيران والأسراب. وواحد الأكنان " كن "، وكل شيء وقى شيئا وستره فهو :" كن ". ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾، وهي : القمص، ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، ولم يقل : البرد ؛ لأن ما وقى من الحر، وقى من البرد، وأنشد :
وما أدري إذا يممت أرضاأريد الخير أيهما يليني
وقال الزجاج : إنما خص الحر ؛ لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من البرد، وهذا مذهب عطاء الخراساني.
قوله تعالى :﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾، يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن والضرب في الحرب.
قوله تعالى :﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي : مثلما أنعم الله عليكم بهذه الأشياء، يتم نعمته عليكم في الدنيا، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾، والخطاب لأهل مكة، وكان أكثرهم حينئذ كفارا، ولو قيل : إنه خطاب للمسلمين، فالمعنى : لعلكم تدومون على الإسلام، وتقومون بحقه. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو رجاء :" لعلكم تسلمون "، بفتح التاء واللام، على معنى : لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من الجراح في الحرب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى