السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
ولما بين تعالى من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، وذكر أيضاً من حالهم أن أكثرهم كافرون، أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله تعالى :﴿ويوم﴾ أي : وخوّفهم يوم أو واذكر لهم يوم ﴿نبعث﴾ بعد البعث ﴿من كل أمّة شهيداً﴾، هو نبيها، كما قال تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [ النساء، ٤١ ]، يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ؛ ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما يتعارفون، وإن كان تعالى غنياً عن شهيد. وقوله تعالى :﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا﴾، فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى :﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [ المرسلات، ٣٦ ]. ثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف. رابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. فإن قيل : ما معنى " ثم " هاهنا ؟ أجيب : بأنّ معناها أنهم يمتحنون، أي : يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو أطمّ منها، وأنهم يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة، ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي : لا تزال عتباهم، وهي ما يعتبون عليها ويلامون، يقال : استعتبت فلاناً بمعنى اعتبته، أي : أزلت عتباه.