المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :
﴿ويوم نبعث﴾ الآية وعيد، والتقدير : واذكر يوم نبعث، ويرد ﴿شهيداً﴾ على كفرهم وإِيمانهم، ف «شهيد » بمعنى : شاهد، وذكر الطبري أن المعنى : ثم ينكرونها اليوم، ﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيداً﴾، أي : ينكرون كفرهم فيكذبهم الشهيد، وقوله :﴿ثم لا يؤذن﴾، أي : لا يؤذن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن ؛ لأن في القرآن أن :﴿كل نفس تأتي تجادل عن نفسها﴾(١) [النحل: ١١١]، ويترتب أن تجيء كل نفس تجادل، فإذا استقرتَ أقوالهم بعث الله الشهود من الأمم فتكذب الكفار، فلم يؤذن للمكذبين بعد في معذرة، و ﴿يستعتبون﴾، معناه : يعتبون، يقال : أعتبت الرجل إذا كفيته ما عتب فيه، كما تقول : أشكيته إذا كفيته ما شكا، فكأنه قال : ولا هم يكفون ما يعتبون فيه ويشق عليهم، والعرب تقول : استفعل، بمعنى : أفعل، تقول : أدنيت الرجل واستدنيته، وقال قوم : معناه : لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدنيا(٢).
قال القاضي أبو محمد : فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم، وقال الطبري : معنى :﴿يستعتبون﴾، يعطون الرجوع إلى الدنيا فيقع منهم توبة عمل(٣).
١ من الآية (١١١) من سورة (النحل)..
٢ جاءت هذه العبارة في بعض النسخ كالآتي: "لا يشكون أن يرجعوا كما كانوا عليه في الدنيا"..
٣ قال القرطبي: ﴿ولاهم يستعتبون﴾ يعني يسترضون، أي: لا يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. ا هـ. وقال المهداوي: أصل الكلمة من العتب وهي الموجدة، يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه، فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب، والاسم: العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب " ا هـ. وقال النابغة:
فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى